الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٦٩ولَيسَ الأمر كَذَلِكَ فِي الصور التي ذكرتُم، فإنَّ القرائن الظَّاهِرة دلَّت عَلَى أَنَّهُ لَيسَ مَبنِىُّ الأمر فِيها عَلَى التكرير.
- والْوَجْه الثاني: ما رُوِيَ «أَنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يتَوَضَّأ لِكُلِّ صلاة إِلاَّ يوم الفتح فَإنَّهُ صلَّى الصلوات كُلّها بوضوء واحد». قال عُمر - رضي الله عنه - فقُلت لَه فِي ذَلِكَ، فقال: «عَمدا فَعلْتُ ذَلِكَ يَا عُمَر».
أجاب داود: بأنَّ خبر الواحد لا يَنسخ القُرْآن، وأيضا فهذا الخبر يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ مُواضِبا عَلَى تَجديد الوضُوء لِكُلِّ صلاة، وَهَذَا يَقتضي وُجُوب ذَلِكَ علينا لقَوله تَعَالىَ: ﴿وَاتَّبِعُوهُ﴾.
قُلْنَا: لا نُسلِّم أَنَّهُ نَسخٌ، وَإِنَّمَا هو بَيَان لِحكم الآيَة، والبَيَان يَثبت بالآحادِ كما يَثبت بغيره، ولاَ نُسلِّم أَنَّ الخبر يَقتضي وُجُوب تِكرار الوضُوء؛ لأَنَّهُ إِنَّمَا كرَّر ذَلِكَ - صلى الله عليه وسلم - رَغبة فِي زِيَادَة الأجر، فقَد نُقِل عنه أَنَّ كَانَ يَسبغ الوضُوء لِكُلِّ صلاةٍ ويَقُول: «الوضُوءُ عَلَى الوضُوءِ نُورٌ عَلَى نُورٍ»، وَإِنَّمَا «صلَّى يومَ الفتح خَمس صَلوات بوضوء واحد» لبَيَان جواز، وَالله أعلَم.
قال داود: سلَّمنا أَنَّ التعارض وقعَ بين مدلولِ الآيَة والخبر، فالترجيح حَاصل مِن وجوه:
الأوَّل: هَب أَنَّ التجديدَ لِكُلِّ صلاة لَيسَ بواجب لَكِنه مَندوب، والظَّاهِر أَنَّ الرَّسُولَ - صلى الله عليه وسلم - كَانَ يزيد فِي يوم الفتح فِي الطاعات ولا ينقص مِنها؛ لأَنَّ ذَلِكَ اليوم هُو يوم إتْمام النعمَة عَلَيه، وزِيَادَة النعمة من الله تُناسب زِيَادَة الطاعات لا نقصانَها.