معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء العاشر

الجزء ١٠ · صفحة ١٢٧

دَليل عَلَى أن الْمِصر الْمشترط لوجوب الْجُمُعَة وصحَّتها هو الْمَكَان المشتمل عَلَى أبنية كثيرة، بِهَا من الْخلق جمع كثير، سواء كَانَت أبنيته متصلا بعضها ببعض كمكة –شرَّفها الله تَعَالَى– أو منقسما قرى كثيرة منفصلا بنيان كُلّ وَاحِدَة منهن عن التي تليها كالْمَدينة الْمشرفة في الزمان الأَوَّل، وكعُمان – حفظها الله -.

والذِي ينبغي اعتباره في ضبط الْمِصر هو أن يَكُون الْمَكَان منحازا بِمَا فيه من قرى ومدن، وغير ذَلِكَ لا يَحتاج أهله في قضاء حوائجهم غالبا أن يتعدوه إِلَى غيره من الأماكن، فإذا حصل مكَانٌ هذه صفته فهو مصر، سواء كَانَ متَّصل العمارة أو منفصلها.

لكن الْمِصر الْمُجتَمَع عَلَيْهِ عِنْدَ أصحابنا إِنَّمَا هو أن يَكُون أحد الأمصار التي مصَّرها عمر، وما عدا ذَلِكَ فهو عندهم مختلف في إعطائه حكم الْمِصر من إقامة الْجمعات -كما تَقدَّم-.

وحُكم الْمَدينة في إقامة الْجمعات والْحُدُود وإنفاذ الأحكام حُكم الْمِصر عَلَى قول من لَمْ ير الْجُمُعَة مقصورة عَلَى الأمصار السبعة. ويَدُلُّ عَلَيْهِ ما تَقدَّم في بعض الأحاديث: «أَنَّهُ لا جُمُعَة ولا تشريق ولا صَلاَة فطر ولاَ أَضْحَى إِلاَّ فِي مَصْرٍ جَامِعٍ أَوْ مَدِينَة عَظِيمَة». وذَلِكَ أن الْمَدينة في معنى الْمِصر لاشتمالها عَلَى ما يشتمل عَلَيْهِ الْمِصر من كثرة الأبنية واجتماع الناس؛ ولأَنَّهَا تغني أهلها غالبا عن الاحتياج إِلَى غيرها في قضاء حوائجهم، فهي مصر في الْمَعنَى وإن اختصَّت باسم آخر.

ولو قِيلَ: بأن الْمَدينة هي الْمِصر الْمتَّصلة أبنيته، وأن الْمِصر يطلق عَلَى

٢٬٨٥٦ / ٥٬٣٨٩