الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٥لأَنَّهُ لو فُعِل أَحَدُهُمَا لاحتمَل أن يَكُون الْمفروض الآخر، فأوجبَ الإتيان بالْحالين.
ومن جَعله مُخيَّرًا بينَ الْمَسح والغسلِ نَظر إِلَى اشتهارِ القراءتين معا، وأنَّ الأُمَّة لَمْ تَردّ واحدة مِنهُما، فرَأَى أَنَّهُ لو لَمْ يَكن الْفِعْلان جائزين لَوجب إِمَّا ردُّ إحدى القراءتين، أَو بَيَان الْمُرَاد من الآيَة، ولَم يَثبت معه بَيَان الْمُرَاد ولاَ وقَع الردُّ لشيء من القراءتين، فثبت عِندَهُ التخيير بين الحالين.
وكَلاَم الشيخ عَامر وغيره يُؤذِن بِتَسويغ الخِلاَف فِي الْمَسْأَلَة، لَكِنَّ الإمام أبا إِسحَاق ذكرهَا فِي الْمَسَائِل التي أجْمَع عَلَيها المسلمُون، قَالَ: وقَد خالفهم بَعض أَهْل الْقِبْلَة عنادا، فواسع جهل مَعرِفَة الأمر به وفرضِهِ قبل قيام الْحجَّة عَلَيه، فمَتى قامت الْحجَّة عَلَيه فِيه فَجهلَه بشكٍّ أَو جُحود كَانَ ضالاًّ مُنَافِقا.
قَالَ: مِثاله أن تقومَ الْحجَّة عَلَيه بأنَّ الله تَعَالىَ أمرَ بِغسل الرِّجلَين فِي الوُضُوء وفَرضه، فإن صدق وَإِلاَّ كَانَ ضالاًّ مُنَافِقا.
قَالَ: والذين عاندوا المسلمين، قَالُوا: إِنَّ الله تَعَالىَ أمرَ بالمسح لَهُما دونَ الغسل؛ لأَنَّهُ عطف بِهما عَلَى الرأس؛ لقَوله تَعَالىَ: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ﴾، فَالحجَّة عَلَيهم الباهرة فعل النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - وإِجمَاع الصحابة عَلَى وُجُوبه والْعَمَل به، وكَذَلِكَ من بعدهم إِلَى عَصرنا هَذَا.
فكَلاَمه - رضي الله عنه - صَريح فِي جَعل الْمَسْأَلَة مِن أصولِ الدين التي لا يَسع الخِلاَف فِيها، وعلَى كُلِّ حال فَالغسل فِي الرِّجلَين أولَى