الجزء الأول
الجزء ١ · صفحة ٢٩٧ومِن تِلكَ الأَحَادِيث: عن بنتِ معاذ بن عفراء قَالَتْ: "دخل عليَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فدعَا بِوُضُوء فَأتيته بإناءٍ فِيه ماءٌ قَدْرَ مُدٍّ، أََو مُدٍّ وَرُبعٍ، فَغَسَلَ يَديهِ ثَلاثًا، وَمَضمَضَ ثَلاَثًا، وَاشتَنشَقَ ثَلاَثًا، وَغَسلَ وَجهَهُ ثَلاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيهِ ثَلاثًا ثَلاثًا، وَمَسحَ بِرَأسِه مَا أَقبَلَ مِنهُ وَمَا أَدبَرَ، وَمَسَحَ أُذَنيهِ ظَاهِرهُما وَباطِنهُمَا، وَغسَلَ رِجلَيهِ، فَأتَانِي غُلامٌ مِن بني عَبد الْمطَّلِب – تعني: ابن عَبَّاس - فَسَألَنِي عَن هَذَا الْحَدِيثِ فَأخبرته، فَقَالَ: أبَى النَّاسُ إِلاَّ الغُسل، ومَا وجدتُ فِي كتاب الله إِلاَّ الْمَسح، يَعنِي: فِي الرِّجلَين".
احتَجَّ الْمخالف عَلَى وُجُوب المسحِ بظاهر الآيَة، فإنَّ ظاهرها عَطف الأرجل عَلَى الرؤوس، وذَلِكَ يُوجِبُ المسح، قَالُوا: وكَذَلِكَ القراءة بالنصبِ تُوجِبُ المسح أَيْضًا، وذَلِكَ أَنَّ قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾ فَرؤوسكم فِي مَحلِّ نَصب ولَكِنَّها مَجرورة بالبَاء، فَإِذَا عطفت الأرجل عَلَى الرؤوس جازَ فِي الأرجلِ النصب عَطفا عَلَى مَحلِّ الرؤوس، والجرّ عطفا عَلَى الظَّاهِر، وَهَذَا مَذهَب مشهور للنحاة، فظهرَ أَنَّهُ يَجُوزُ أن يَكُون عَامل النصبِ فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هوُ قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ﴾، ويَجُوزُ أن يَكُون هو قَوله: ﴿فاغْسِلُواْ﴾ لَكِن العاملين إِذَا اجتمعَا عَلَى مَعمول واحدٍ كَانَ إعمال الأقرب أولى، فوَجب أن يَكُون عامل النصب فِي قَوله: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ هو قَوله: ﴿وَامْسَحُواْ﴾، فثَبت أَنَّ قراءة: ﴿وَأَرْجُلَكُمْ﴾ بنصبِ اللام تُوجِبُ المسح أَيْضًا.
قَالُوا: ولا يَجُوزُ دَفع ذَلِكَ بالأخبارِ؛ لأَنَّهَا بِأسرِهَا مِن باب الآحاد، ونسخ القُرْآن بِخَبر الواحدِ لا يَجُوزُ.
قُلْنَا: جَعلُ الأرجل فِي قراءة النصبِ مَعطوفة عَلَى مَحلِّ الرؤوس خِلاَف الظَّاهِر؛ لأَنَّ الظَّاهِرَ عَطفها عَلَى الأيدي أَو الوجوه لاتِّفاق إعرابِها، والقاعدة فِي العاملين إِذَا تَوَجَّها عَلَى مَعمول واحدٍ إِنَّمَا /158/ هِي فِيما لَمْ يَقم دليلٌ أَنَّ