معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٦

فَيستعمل باقي الجارحة بالْمَاء الذي استعملَ به أَوَّلَها. قَالَ: وهذا هو الذي تعلَّق به من أجازَ الْمَاء الْمستَعمل مِن اللحية واليدين لِمَا نَسيَه الْمُتَوضِّئ، والله أعلم.

قُلتُ: وحجَّة مَن أجاز ذَلِكَ ما رُوِيَ عَنه - صلى الله عليه وسلم -: «أَنَّهُ اغتَسَلَ يَومًا مِنَ الْجَنَابَةِ فَرَأَى فِي جَسَدِه لُمعَةً لَم يُصِبْهَا الْمَاءُ فَأخَذَ لَهَا مَاءً مِن جُمَّتِه».

ورُدَّ: بأنَّ جَوارِح الوضوءِ جَوارح متعدِّدة، ولكلِّ وَاحدة منها فَرِيضَة، وغَسل الْجُنب فَرِيضَة وَاحِدَة فَحُكم جَسده حُكم جَارِحة وَاحِدَة، فلاَ تُقاس جوارح الْوُضُوء على جَسد الْجُنُب، وَالله أَعلَم.

وأنتَ خَبير بأنَّ الْمَنقُول عَن مُحَمَّد بن هَاشم في تَحديد الْوُضُوء في ذَلِكَ الحالِ بصَلاَة وَاحِدَة عَلَى خلافِ ما يَنبغي، فإنَّه إِن كانَ الْوُضُوء تَامًّا فقَصره عَلَى تِلْكَ الصَلاَة لا مَعنَى لَه، وَإن كانَ الْوُضُوء غَيْر تَام فلاَ تَجُوز به تِلْكَ الصَلاَة أيضًا.

لاَ يُقَالَ: إن مُحَمَّد بن هاشم أَرَادَ أَنَّهُ لاَ يُصَلِّي بذَلِكَ الْوُضُوء غَيْر تِلْكَ الصَلاَة؛ لأَنَّهُ لَم يَنو غَيْرها حالَ الْوُضُوء أَو بَعده لأنَّا نَقول إنَّ هَذَا الاعتذار لا يُغني عَن الرجلِ شَيئًا؛ لأَنَّهُ لَم يُبيِّن ذَلِكَ، وظَاهرُ كَلاَمه أنَّ الْمَنعَ مِن الصَلاَة الثانية بذَلِكَ الْوُضُوء إِنَّمَا هُو لأجلِ ذَلِكَ الْمسح فَقط، لا لأجلِ عَدم النيَّة، وَالله أَعلَم.

الْفَرعُ الرَّابِع: [في حُكم مَن شكَّ في جزء من الْوُضُوء]

سُئل الشيخ أبو سَعِيد -رحمه الله- عَمَّن شَكَّ في مَسْح رأسه وهُو يَمَسح أُذُنَيه، هل لَه أن يَمضِيَ عَلَى وُضُوئه؟ قَالَ: نَعَم في حُكمِ الاِطمنانة، وَأَمَّا في الْحُكم فلا.

قِيلَ له: وَكَذَلِكَ من كَانَ يَغسِل وجهَه فشكَّ في الْمَضمَضَة والاِستِنشَاق، هَل لَه أن يَمضِي عَلَى وُضُوئه؟ قَالَ: مَعي أَنَّهَا مِثل الأُذُنين.

قِيلَ: فَإِذَا صارَ في حدٍّ ثَالِث ثُمَّ شَكَّ في الأَوَّل، هَل لَه أن يَمضِيَ عَلَى وُضُوئه في الْحُكم؟ قَالَ: هَكَذَا عِندِي. ثُمَّ رَجَع عَن ذَلِكَ بَعد /165/ أن عُرِض عَلَيهِ، وَالله أَعلَم.

الْفَرعُ الْخَامِس: [الْمَسح عَلَى العمامَة]

[اعلَم أَنَّهُ] لا يَجُوزُ الاكتفاءُ بالْمَسح عَلَى الْعَمَامَة. وقالَ الأَوزاعي وَالثوري وأحمد: يَجُوزُ.

وَالْحُجَّة لنَا عَلَيهِم: أنَّ الآية دالَّة عَلَى أَنَّهُ يَجب الْمَسح عَلَى الرأسِ، ومَسح الْعَمَامَة لَيس مَسحا للرأسِ.

احتجَّ الْمُخَالِف بِما رُوِيَ أَنَّهُ عَلَيهِ الصَلاَة والسلاَم «مَسح عَلَى الْعَمَامَة».

وأجيب: بِأَنَّه يَحتمل أن يكون مَسح قَدر الفرضِ عَلَى الرأس والباقي عَلَى الْعَمَامَة، وأَيضًا: فلو لَم يَحتمل الخبَر إِلاَّ الْمَسح عَلَى الْعَمَامَة لَقُلنا بِردِّه لِمعارضته ظاهر قوله تعالى: ﴿وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ﴾، والآحادُ لا تُعارض القرآن، وَالله أَعلَم.

٣٢٦ / ٥٬٣٨٩