الجزء الثاني عشر
الجزء ١٢ · صفحة ٤٠ومنهم من قال: إن ترك صَلَوَات ثُمَّ صلَّى صلاة أو صَلَوَات، ثُمَّ ترك صلاة أو صَلَوَات؛ فعَلَيْه أن يكفِّر عن الترك الأوَّل كفَّارة، وعن الترك الثَّانِي كفَّارة أخرى.
وكَأَنَّ هؤلاء جعلوا الكفَّارة لنفس الترك لا للمتروك، وَلَمْ يعتبروا تعدده بتعدّد المتروكات إِذَا كان تركها متواليا، بل جعلوه تركا واحدا.
ومنهم من قال: إن كان ما ترك من الصَّلَوَات في معنى واحد بسبب واحد فعَلَيْه كفَّارة واحدة؛ فإذا أضاع صلاة أو صَلَوَات بغير ذلك السبب، فعَلَيْه لذلك أيضا كفَّارة ثانية.
وهؤلاء اعتبروا تَخلّف الأسباب فأوجبوا الكفَّارة عَلَى السبب الْمفضي لترك الصَّلاَة؛ لأَنَّ الترك إِنَّمَا كان به، فتوجيه العقوبة عَلَيْه أولى.
وفيه أنَّ العقوبة عَلَى الترك لا عَلَى السبب؛ فقد يكون السبب في أصله مباحا كالنوم والاشتغال بالْمباح فلا يستحقُّ عَلَيْه العقوبة.
وَيُجَاب: بأنَّ الْمباحَ إِذَا أفضى إلى ترك الواجب انقلب معصية فيستحقّ لذلك العقوبة. وقد يستأنس لقولهم بفعل سليمان - عليه السلام - الْمذكور في قوله تَعَالَى: ﴿فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ * رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ﴾، فَإِنَّه روي عنه -عَلَيْه الصَّلاَة والسلام- أَنَّه اشتغل بعرض الْخيل عَلَيْه حَتَّى فاتت العصر، وهو معنى قوله ﴿حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ﴾ أي: توارت الشمس فانتبه عند ذلك من نسيانه، وذلك الصَّلاَة فندم عَلَى الاشتغال، وأمر بردّ الخيل عَلَيْه وطفق يقطع سوقها وأعناقها معاكسة لحالة الاشتغال، ومراغمة لحبّ النفس.