الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٨- وقالَ قوم: إنَّ الاِستِنشَاق غَيْر واجب. واحتَجُّوا بقولِ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - للسائلِ عَن الطَّهَارَة: «تَوَضَّأ كَمَا أَمَرَكَ الله» قالوا: فردَّ ذَلِكَ إلى القرآن.
واحتجَّ الفخر بِأَنَّه تَعَالَى أَوجب غَسل الوجه، والوجه هو الذي يكون مُواجها، وداخل الأنفِ والفم غَيْر مُواجه فلا يكونُ مِن الوجه، قَالَ: وإذَا ثَبت هَذَا فنَقول: إيصالُ الْمَاء إلى الأَعضَاء الأربعَة يُفيد الطَّهَارَة؛ لقوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن يُرِيد لِيُطَهَّرَكُمْ﴾، والطَّهَارَة تُفيد جَواز الصَّلاَة، فثبت أنَّ الْمَضمَضَة والاِستِنشَاق غَيْر واجبين.
ورُدَّ الاحتِجَاج الأَوَّل بأنَّ أوامِرَ الله تَعَالَى تَكون تارة بالقرآنِ، ومَرَّةً بواسطة الرسل، فَأمره - صلى الله عليه وسلم - أمر لله تَعَالَى، قال - سبحانه وتعالى -: ﴿فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّىَ يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُواْ فِي أَنفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُواْ تَسْلِيمًا﴾، وقال تَعَالَى: ﴿مَّنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ اللّهَ﴾، وقال تَعَالَى: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا﴾، ففي هَذِهِ الآيات الدَّلِيل القاطع عَلَى أَنَّ أمر رَسُولِ الله - صلى الله عليه وسلم - أَمر مِن الله تَعَالَى.
ورُدَّ احتِجَاج الفخر بأنَّ القرآن أُنزِل وبيَّنه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، قال تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، ومن جُملَة البيان وُجوب الاِستِنشَاق فَوق الأَعضَاء الْمذكورة في القرآن، ثُمَّ إنَّ الآية ليست نصًّا في أنَّ الطَّهَارَة مُستَفادة من طهارة الأَعضَاء الأربعة، لكنَّها مشيرة إلى أنَّ طهارة الأَعضَاء الأربعَة/178/ سبب للطهارة، فلا يُفيد ذَلِكَ حَصر الطَّهَارَة في الأَعضَاء الأربعة لأنَّا نقول: إنَّ الطَّهَارَة حَاصلة معَ طهارة