الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٣٩الأَعضَاء الْمخصُوصة، وزيادة الْمَضمَضَة والاِستِنشَاق، ولا تَحصل عِندَ ترك شَيءٌ منها، وَالله أَعلَم.
- وذهبَ قَوم إلى: أن الْمَضمَضَة والاِستِنشَاق واجبَان في الغسلِ مِن الْجَنَابَة، مَسنونان في وضوءِ الصَّلاَة.
واحتَجُّوا عَلَى ذَلِكَ بأنَّ الأُمَّة قد أَجْمَعُوا عَلَى وجوبِ غَسل داخل الأُذُنين وبَاطن اللِّحَى في غسل الْجَنَابَة. وأَيضًا: فإنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أمَر بالْمُبَالَغَة في الغُسل مِن الْجَنَابَة مَا لَم يُؤمَر به في الْوُضُوء، فدلَّ ذَلِكَ عَلَى وجوبِهما في الغسل من الْجَنَابَة دُون الْوُضُوء.
وَكَانَ هَذَا الْقَوْل هُو أكثر قَولِ أَصحَابنَا -رحمهم الله تَعَالَى- وبِه قالَ أبو حنيفة من قَومنا.
قُلتُ: وهو ظَاهِر، ومَع ذَلِكَ لا يَنبغي تَعمُّد تَرك الْمَضمَضَة والاِستِنشَاق إذ لاَ يَنبغي لطالبِ الرشد أَن يعدل عن رُشده - صلى الله عليه وسلم -، و لا يَحسن لِطالب الفضلِ أن يَقتصر عن الأحوالِ التي واظبَ عَلَيهَا رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ووَاظب عَلَيهَا جَمِيع الأُمَّة مِن بعده، فإنَّ القائلين بِعدم وجوبِهما يَعترفُون بأنَّ الفضلَ في فِعلهما، وَإِنَّمَا قالوا بذَلِكَ ليُبيِّنوا للناس ما يلزمهم من أحكام الله تَعَالَى، وما لا يلزمهم من ذَلِكَ، حَتَّى لا يَعتقد الجاهل غَيْر اللازم لاَزما فيخطئ عَلَى تَركه غَيْره فيهلك بذَلِكَ؛ لأَنَّ مَن ألزم الناسَ مَا لاَ يَلزمهم من دين الله تَعَالَى فهو في حُكم من حطَّ عَنهم ما يَلزمُهم.
ولاَ يَشكلُ عَليك اختِلاَف الْعُلَمَاء في مِثل هَذَا الْمَقَام، فَإنَّهُ إِنَّمَا قال بالوُجُوبِ مِنهم مَن قال لأمارَة رَجَحت عِندَه، دالَّة عَلَى وُجُوبِ ذَلِكَ لاَ عَن