الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٦وقد يَحصل للعبد حسن الظنِّ بربِّه، وهو سالِم من الْمرض، ثُمَّ يقع في سوء الظنِّ بالله تَعَالَى، في مرضه ويموت على ذَلِكَ، فيجني ثَمرته من عدم رحمة الله تَعَالَى له، /33/ وعدم التجاوز عنه، وعدم الْمغفرة لذنوبه، نسأل الله العافية لنا، ولِجَمِيع الْمُسلِمِين.
فينبغي لِكُلِّ من حضر مَريضا على الْمَوت، أن يذكره بِحسن الظنِّ بالله تَعَالَى، ليموت على ذَلِكَ، وكان ابن عباس يقول: "إذَا رَأيتُم الرَّجلَ قد حَضره الْمَوت فَبشِّروه ليلقى رَبَّه وهو يُحسن الظنَّ به، وإذا كان صحيحا فخوِّفوه".
وكان الفضيل بن عياض يقول: "الْخوف أفضل من الرجاء إذا كان العبد صحيحا، فإذا نزل بِه الْمَوت فالرجاء أفضل من الْخَوف".
وكان إبرَاهيم التيمي يقول: "كانوا يَستحبُّون أن يذكروا للعبد مَحاسن عَمله إذا حضره الْمَوت، حَتَّى يُحسن ظنّه بربِّه - عز وجل - ".
وَلَمَّا حَضرَت أبا خليل [الدركلي] الوفاة اجتمعت عَلَيهِ الأشياخ والعباد وهم يَبكون فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: كيف لا نبكي ومصيبة الإسلام فيك وفي فقدك أعظم كُلّ رزية، وأشنع كُلّ مصيبة. فقال لَهم: كيف حالي عِندَكم؟ قالوا: خير حال، عبدت ربَّك العمر الطويل، وتعلَّمت /34/ وعلَّمت العلم والسير والْخلق الكريم، قال: أتشهدون لي بذَلِكَ عِندَ الله؟ قالوا: نعم، فقال: اكتبوها هنا، فكتبوها، فقال: إذا متُّ فاجعلوها بيني وبين كفنِي، ففعلوا كما أمرهم، فَلَمَّا دفنوه وسدُّوا قبره ودمَسُوه، يَخطُّون عَلَيهِ الْخطَّة للحريم، فإذا كتابُهم الذي فيه شهادتهم موضوع على القبر، فقرؤوه فإذا فيه: "كما هو عِندَكم كذَلِكَ هو عِندَنَا".
وذكر البدر الشماخي-رحمه الله- أنَّ هَذِه القصَّة صارت في الكتب، والسير، وألسِنة الْمُحدثين كالتواتر، والله أعلم.