الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٣٤أَنَّه غير مُختص بالشهداء - ولذَلِكَ سُمِّيت جنَّة الْمأوى؛ لأَنَّها تأوي الأرواح وهي تَحت العرش فيتنعمون بنعيمها ويشمون طيب ريحها.
وعن عبد الرحمن بن كعب عن أبيه: أن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إِنَّمَا نَسمَةُ الْمُؤْمِن طَيرٌ تعَلَّق فِي شَجرِ الْجَنَّةِ حَتَّى يُرجِعَهُ الله فِي جَسدِهِ يَوم يَبعَثُه»، وقوله: «طَير خُضر» أي: عَلَى صورة طَير خضر.
قال [ابن] القابسي: أنكر العلماء رواية «فِي حَواصِل طَيرٍ خُضرٍ»؛ لأَنَّها حينئذ تكون مَحصورة مضيقا عليها.
ورُدَّ: بِأنَّ الرواية ثابتة والتأويل محتمل؛ لأَنَّه لا مانع أن تكون في الأجواف حقيقة ويوسعها /47/ الله لَهَا حَتَّى تكون أوسع من الفضاء.
وجواب آخر: أن التضييق والانحصار لاَ يتصوَّر في الروح وَإِنَّمَا يكون في الْجَسَد والروح إذا كَانَت لطيفة يتبعها الْجَسَد في اللطافة، فتسير بِجسدها حيث شاءت، وتتمتع بِما شاءت، وتأوي إِلَى ما شاء الله لها، وأمر الروح وأحوال الآخرة كُلّها مبنيَّة عَلَى خوارق العادات، فليس لأحد إنكار ذَلِكَ بما يقع في وهمه من استبعاده في عادات هذا العالم الحسي، وَإِنَّمَا ركب للأرواح أبدان لطيفة عارية بدلا من أجسادهم الكثيفة مدَّة البرزخ وسيلة لتمتع الأرواح باللذات الْحسيَّة من الأكل والشرب وغيرهما، ليقع النعيم عَلَى الوجه الأكمل، وعَلَى طِبق الْحَال الأَوَّل، وليس الْمُرَاد أن أرواح الْمُؤْمِنين في أجواف طير أحياء بأرواح أخر حَتَّى يلزم منه مَحذور عقلي وهو كون الروحين في جسد واحد، وإلى هذا الْمَعنَى نظر قوم من المتكلمين فأنكروا الرواية؛ إذ لا يكون روحان /48/ في جسد واحد؛ لأَنَّ ذَلِكَ مُحال.
ورُدَّ: بأنَّ روح الشهيد الذي كان في جوف جسده في الدنيا يجعل في جوف جسد آخر كأَنَّه صُورة طائر، فيكون في هذا الْجَسَد الآخر كما كان في الأَوَّل وذَلِكَ مدَّة البرزخ إِلَى أن