معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ١١٥

الْمَسأَلَة الثالثة: في الكفن من أين يخرج

فقال أكثر أهل العلم: /185/ يُخرج من رأس المال. وقيل: من الثلث، وغلَّطه أبو مُحمَّد ووصفه ابن الْمُنذر بالشذوذ.

وقال طاووس: إنَّ الكفن من جَمِيع المال، فإن كان الْمَال قليلا فمن الثلث، ووصفه ابن الْمُنذر بالشذوذ أيضا.

وَحُجَّة الْجُمهُور: حديث ابن عباس قال: «كَانَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - يُخْرِجُ كَفَنَ الْمَيِّت مِنْ رَأْسِ الْمَالِ، فَإِن لَمْ يُوَفَّ كُملَ من غَيره، وتارة يَجعل الإذخر عَلَى رجليه ويدفنه ولا يأمر أحدا بإكمال الكفن» كما فعل بِمصعب بن عمير.

استدلَّ أبو مُحمَّد بالإضافة في قوله - صلى الله عليه وسلم - في ميِّت مات بحضرته فقال: «كَفِّنُوهُ فِي ثَوْبَيْهِ»، قال: فأضاف الْملك إليه ولا دليل فيه؛ لأَنَّ الإضافة تصحّ بأدنَى ملابسة ولا تنحصر في معنى الْملك، ألا تراهم يقولون: باب /186/ الدار، ولجام الفرس، ولا ملك للدار ولا للفرس.

ويَحتمل أن تكون الملابسة في الْحَدِيث اعتبار الْحَال الْماضي، فإِنَّهما كانا في حياته ملكا له، ومن الْمَعلُوم أَنَّه لا ملك له بعد الْمَوت، وإن ثبت كفنه في ماله فذَلِكَ حقّ الله وكرامة للمَيِّت، وليس هو بِملك، فظهر أن الإضافة ليست للملك عَلَى كُلّ حال.

والعجب من الشيخ عامر كيف تابعه عَلَى هذا الاستدلال، وأعجب منه ذكر التغليط للقائل: إِنَّه من الثلث بعد ذكر هذا الاستدلال، فإن المناسب في التغليط أن يكون بعد حُجَّة تقهر الْخصم، وَاللهُ أَعلَم.

ثُمَّ اختلفوا فيمن ليس له مال إِلاَّ كَفَنه، وعليه دَيْن يحيط بكفنه، فطلب غرماؤه أخذ الكفن، ويدفن عريانا:

فقال موسى بن عليّ: ذَلِكَ لهم. وقال أبو عبد الله: ليس ذَلِكَ لهم، ويكفّن بثوب واحد وسط؛ وذَلِكَ لأَنَّ /187/ الكفن من رأس الْمَال وهو أَولَى من حقوق الغرماء، وَإِنَّمَا هو فِي منزلة لباسه في الْحَياة.

٣٬٦٨٤ / ٥٬٣٨٩