الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ١١٨تَفضُل عن كفنه وهو لا يعرفه ولا يعرف بلده فإِنَّه يكفنه بِِما يكفَّن فيه مثله، ويحفظ الباقي لورثة الْمَيِّت، فإن عرفهم دفعه إليهم، وإن تعذَّرت معرفتهم دفعه إِلَى الفقراء، وإن تركه أو دفنه كان عَلَيهِ الضَّمان؛ لأَنَّه ضيَّعه. ويخرج فيه قول ثان: وهو أَنَّه لا يضمن إِلاَّ ما حرَّكه ونقله من مكان إِلَى آخر، وإن وجد في الْمَيِّت خاتَمًا فلم ينْزَعه، فإِنَّه إن دفنه وهو فيه، ضمن، وإن تولى الكفن غيره وَلَمْ يدر ما صنع بالخاتم، فإن كان الْمكفِّن أمينا والْموضع موضع أمانه فلا ضمان عليه، وإن كان الْمكفِّن /192/ غير أمين، أو كان في الْمَوضِع ناس غير مأمونين، وكان يُمكنهم اختلاسه فإن بعضهم خاف عَلَيهِ الضمان، وَالله أعلَم.
التنبيه الثالث: في أخذ الكفن من بَيت الْمال
فإِنَّه إن لَمْ يترك الْمَيِّت كفنا، كُفِّن من بيت الْمَال، ولا يُكَفَّن من الزكاة ولا من العشور. أَمَّا الزكاة فلأَنَّها لأصناف مَخصُوصين، وأَمَّا العشور فإن الجائز منه لقوَّة الْمُسلِمين، وغير الْجائز حرام. وأَمَّا بيت الْمَال فإِنَّه لعموم المنافع الإسلامية، وفيه الْحُقُوق التي أوجب الله القيام بِهَا وليست حقًّا للناس كمغارم الْجِهَاد، وتكفين الأموات، ودفع المفاسد.
فإن قيل: وكذَلِكَ الزكاة تجعل في بيت الْمَال فيكون حكمها كحكمه.
قُلنَا: لا تجعل الزكاة في بيت الْمَال إِلاَّ عَلَى قصد الْحفظ لَهَا وأدائها إِلَى أهلها، أَمَّا عَلَى جعلها من جنس بيت الْمَال فلا. ويَجُوز أن يعطى من الزكاة رجل فقير /193/ ثُمَّ يتصدَّق بذَلِكَ عَلَى الْمَيِّت، ولا يكون ذلك بشرط عِندَ العطاء، فإِنَّه إن شرط بطل الإنفاذ، وَالله أعلَم.
التنبيه الرابع: فيمن مات وَلَمْ يَجدوا له كفنا ولا بيت مال
فإِنَّه إن تبرَّع أحد بتكفينه كان الفضل له وسقط الفرض عن الباقين، وإن لَمْ يتبرَّع كان عَلَى من حضر أن يكفِّنوه، ووجب ذَلِكَ عَلَى أغنيائهم بالمحاصصة، ولهم أن يستعينوا بالغير، فإن فضل عَن الكفن شيء أو سبق إليه أحد فكفَّنه: قال أبو مالك: يردُّها إِلَى من أخذها منه، فإن قبلوها منه فلا شيء عليه، وإن لَمْ يأخذوها سألهم أن يجعلوها في