الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ١٣١قبره أمر معمول به، يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله تَعَالَى: ﴿وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ﴾، وحديث أبي هريرة أن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَنْ صَلَّى عَلَى جَنَازَةٍ وَانْصَرَفَ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطٌ، وَمَنْ تَبِعَهَا وَصَلَّى عَلَيْهَا ثُمَّ قَعَدَ حَتَّى يُدْفَنَ الْمَيِّتُ كَانَ لَهُ مِنَ الأَجْرِ قِيرَاطَانِ».
قُلتُ: كون ذَلِكَ أجرا معمولا به لا نزاع فيه، وَإِنَّمَا النزاع في وجوبه، ولا تَدُلُّ الآية ولا الحديث /216/ عَلَى الوجوب؛ بل الدال عَلَى الوجوب قوله تَعَالَى: ﴿وَصَلِّ عَلَيْهِمْ إِنَّ صَلاَتَكَ سَكَنٌ لَّهُمْ﴾، فإن حقيقة الأمر للوجوب، وللمُخالِف أن يجيب بوجوه:
أَحَدُهَا: أنَّ الصلاة في الآية ليست نصًّا في صلاة الْمَيِّت، بل الظاهر أَنَّها الدعاء بالرحمة مطلقا.
وَثَانِيهَا: أن الأمر مَخصُوص به النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - فهو من جملة خواصِّه.
وَثَالِثُهَا: أن الأمر يَحتمل صرفه عن الوجوب للدلائل التي قدمنا ذكرها في الاِحتِجَاج لهم.
فأَمَّا الوجه الأَوَّل فلا جواب عنه؛ لأَنَّه الظاهر من اللفظ، وكذا الوجه الثالث؛ لأَنَّ الأمر يصرف عن الوجوب بالقرائن.
ويجاب عن الوجه الثاني: بأن الخصوصية لا تثبت إِلاَّ بدليل؛ لأَنَّ الله تَعَالَى يقول: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ﴾.
ويُردّ: بأن الخصوصية ظاهرة من الْمَعنَى فإِنَّه - صلى الله عليه وسلم - مُجاب /217/ الدعوة موفور البركة، فليس دعاؤه كدعاء غيره ولا صلاته كصلاتهم، ومن هنا نُهي عن الصلاة عَلَى المنافقين وعن القيام عَلَى من مات منهم وَلَمْ يَنه غيره، فالخصوصية كالخصوصية والْمَعنَى واحد، وَيَدُلُّ عَلَيهِ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَلُّوا عَلَى صَاحِبِكُمْ».
وَالْحُجَّة التي لا شبهة فيها إجماع الأُمَّة عَلَى الصلاة عَلَى موتاهم، فلو تركها تارك كان متَّبعا غير سبيل الْمُؤْمِنين ومن ﴿يَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّى وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ وَسَاءتْ مَصِيرًا﴾، وأَمَّا قوله - صلى الله عليه وسلم -: «صلُّوا عَلَى مَوْتَاكُم»، وقوله: «صلُّوا عَلَى كُلِّ بَارٍّ وَفَاجِر»،