الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٠٤وأَمَّا الذي مرَّت عَلَيهِ الْجَنازَة: فقيل: يُسْتَحَبُّ أن يقول: سُبحَانَ الْحيِّ الذي لا يَموت. وَقِيلَ: يدعو ويقول: لا إله إِلاَّ الله الْحيّ الذي لا يَموت، ويثني عليها إن كَانَت أهلا له، ولا يُجازف في ثنائه، وَاللهُ أَعلَم.
ومنها: أَنَّ من تبعها لا يجلس حَتَّى توضع؛ لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «فَمَن تَبِعَهَا فَلاَ يَقعُدْ حَتَّى تُوضَع».
ثُمَّ اختلفوا في تأويل قوله: «حَتَّى تُوضَع»: فقيل: حَتَّى توضع عن أعناق الرجال. وَقِيلَ: حَتَّى توضع في اللحد.
وَالْحكمة في الوجه الأَوَّل: القصد إِلَى المساعدة، والقيام بِحقِّ الأخوَّة والمصاحبة. والْحكمة في الثاني: الاحتياج في الدفن إِلَى الناس وتكميل الأجر في القيام بِخدمته، والأَوَّل أظهر؛ لأَنَّها ما دامت عَلَى أعناقهم فهم واقفون، فقعوده مُخالِفة لَهم، ويشعر بالتمييز عنهم والتكبّر عليهم.
ومنها: أن من يشيّعها لا /325/ يرجع عنها حَتَّى يدفنها، كذا قال أبو إسحاق. وقال ابن مَحبوب: له أن ينصرف بغير إذن أَوليائها، وإن قعد حيث يدفن لَمْ يكن له أن ينصرف حَتَّى يرشَّ الْمَاء عَلَى القبر إِلاَّ بإذن الولي؛ وَلَعَلَّه لِما في ذَلِكَ من الاحتياج عِندَ الدفن إِلَى الناس، وفيه أَنَّه يحتاج إِلَى الناس قبل الدفن أيضا؛ لأَنَّه إِذَا صار كُلّ يرجع من تلقاء نفسه بقيت الْجَنازَة مُحتَاجة إِلَى تَمام الْجهَاز. وَلَعَلَّه يقيّد ذَلِكَ برجوع النفر القليل لِخوف هَذِه المفسدة، ولأنَّ الْمَعلُوم من قواعدهم وجوب دفن الْمَيِّت عَلَى الكفاية. وظاهر حديث أبي هريرة في تقسيم الأجر لِمَن صَلَّى ورجع بقيراط، ولِمن رجع بعد الفراغ من الدفن يرجع بقيراطين، أَنَّ الرجوع جائز.
وأقول: ينبغي أن يكون ذَلِكَ بإذن الولي؛ لأَنَّه أعرف بالحال، ومن يحتاج إليه ومن لا يحتاج إليه، وَاللهُ أَعلَم.