الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣١الأمر الثاني: في البكاء الْمحرَّم
وهو: الصراخ عَلَى الْمَيِّت، والبكاء المقرون بلطم الخدود أو شقِّ الْجيوب، أو حلق الرأس، أو دعوى الجاهلية. وكذلك يحرم نشر الشعر، وخمش الوجه؛ ففي الْحدِيث: «لَيسَ مِنَّا مَن ضَربَ الْخُدُودَ، وَشقَّ الْجُيوبَ، ودَعَا بِدَعوَى الْجَاهِلِيَّةِ». وعن أبي موسى الأشعري أَنَّه قال: "أنا بَريء مِمَّن برئَ منه رَسُول الله /369/ - صلى الله عليه وسلم - «إنَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - بَرِئَ مِن الصَّالِقَة وَالْحَالِقَة وَالشَّاقَّة»، (فالصالقة: الرافعة صوتها بالندب والنياحة، والحالقة: التي تحلق رأسها عند المصيبة، والشاقة: التي تشق ثوبها)، وفي رواية: «لَيسَ مِنَّا مَن حَلَقَ ولاَ خَرَقَ ولاَ صَلَقَ».
وفي الأثر: أن قليل الصراخ مُحرَّم كتحريم كثيره؛ لأَنَّ النهي ورد فيه عاما لقوله - صلى الله عليه وسلم -: «صَوتَانِ مَلعُونَانِ مَن استَمَعَهُمَا: صَوتُ مِزمَارٍ عِندَ نَغمَةٍ، وَصَوتُ مرَنَّةٍ عِندَ مُصِيبَةٍ»، فهَذا نَهي يقع عَلَى تَحريم قليل الصراخ وكثيره، وَالله أعلَم.
تنبيه:
ما ذكرته من لطم الْخدود وشقِّ الجيوب وما بعدهما مُحرَّم عِندَ الْمصيبة بإجماع الأُمَّة كان معه بكاء أو لَمْ يكن؛ لأَنَّه علامة عَلَى سخط القضاء. ويقاس عَلَيهِ كُلّ ما كان كتسويد الوجه وإلقاء الرماد عَلَى الرأس /370/ والدعاء بالويل والثبور (أي: الهلاك)، وَكُلُّ شيء فيه تغيير للزيِّ كلبس ما لا يعتاد لبسه أصلا، أو لا يعتاد عَلَى تلك الصفة، كترك شيء من لباسه، والْخُروج بدونه عَلَى خلاف العادة.
قَالَ بَعضُهم: وقد ابتلي كثير من الناس بتغيير الزي مع ما تقرَّر