الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٦«الْمَيِّتُ يُعذَّبُ فِي قَبرِهِ بِمَا نِيحَ عَلَيهِ»، فَهذَا مِن رواية عمر بن الْخطاب وابنه عبد الله.
وقد اختلف الناس في ذَلِكَ: فأنكره قوم، وتأَوَّله آخرون، فممن أنكره ابن عَبَّاس وعائشة، فقال ابن عَبَّاس لَمَّا روي /378/ له هذا الخبر: "ذهل ابن عمر، إِنَّمَا مرَّ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى قبر يهوديٍّ فقال: «إنَّ أَهلَهُ لَيَبكُونَ عَلَيهِ وَإِنَّه لَيُعذَّبُ» "، وقالت عائشة: ذهل أبو عبد الرحمن كما ذهل في خبر قُلَيْبِ بَدر، إِنَّمَا قال - عليه السلام -: «إِنَّهُم لَيَبكُونَ عَلَيهِ وَإِنَّهُ لَيُعذَّبُ بِجُرمِهِ»، قالوا: وموضع غلطه في خبر القليب أَنَّهُ روى أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - وقف عَلَى قليب بدر فقال: «هَل وَجَدتُم مَا وَعَدَكُم رَبُّكُم حَقًّا؟» قال: «إِنَّهُم يَسمَعُونَ مَا أَقُولُ لَهُم»، فأنكرت عائشة ذَلِكَ وقالت: إِنَّمَا قَالَ: «إِنَّهم يَعلَمُونَ أنَّ الذي أَقُولُه لَهُم هُوَ الْحَقُّ» وَاستَشهَدَت بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّكَ لاَ تُسْمِعُ الْمَوْتَى﴾.
وفي مسند الربيع: قالت عائشة -رضي الله عنها-: "يغفر الله لأبي عبد الرحمن، أمَا إِنَّه لَمْ يكذب ولكنَّه نسي وأخطأ، وَلَعَلَّه إِنَّمَا سَمع من رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ما قال حين مر بيهودية /379/ ماتت وأهلها يبكون (عليها). فقال: «إِنَّهُمْ لَيَبْكُونَ عَلَيْهَا، وَإِنَّهَا لَتُعَذَّبُ فِي قَبْرِهَا». قَالَ جَابِرٌ: قَالَتْ عَائِشَةُ: وَلاَ يُعَذَّبُ أَحَدٌ بِبِكَاءِ أَهْلِهِ، وَإِنَّمَا يُعَذَّبُ بِعَمَلِهِ السُّوءَ.
وفي صحيح البخاري: "لَمَّا أُصيب عمر دخل صهيب يبكي يقول: واأخاه .. واصاحباه، فقال عمر - رضي الله عنه -: يا صهيب أتبكي عليَّ وقد قال رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ الْمَيِّتَ يُعذَّبُ بِبَعضِ بُكَاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ». قال ابن عَبَّاس -رضي الله عنهما-: فَلَمَّا مات عمر ذكرت ذَلِكَ لعائشة -رضي الله عنها- فقالت: "يرحم الله عمر، والله ما حدَّث رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -: «إنَّ اللهَ لَيُعذِّبُ الْمُؤْمِنَ بِبُكَاءِ أَهلِه عَليهِ»، ولكن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «إنَّ اللهَ لَيَزيدُ الكَافِرَ عَذابًا بِبُكاءِ أَهلِهِ عَلَيهِ»، وقالت: حسبكم القرآن: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى﴾.