الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٣٨بأن الذنب عَلَى السبب يعظم بوجود الْمسبّب، وشاهده حديث: «مَن سَنَّ سُنَّةً سَيِّئَةً».
وثَانِيهَا: أَنَّه مَحمول عَلَى من أوصى بالبكاء والنوح أو لَمْ يوص بتركهما، فمن أوصى بهما أو أهمل الوصيَّة بتركهما يعذب بهما لتفريطه بإهمال الوصيَّة بتركها، فأَمَّا من /382/ أوصى بتركهما فلا يعذّب بِهما؛ إذ لا صنع له فيهما ولا تفريط منه.
وحاصل هذا القول: إيجاب الوصيَّة بتركهما، ومن أهملهما عذِّب بِهما، وذَلِكَ إذا كان النوح من سنَّته، كذا قال البخاري، ومعناه: إذا كان الْمَيِّت قد عوّد أهله أن يبكوا عَلَى من يفقدونه في حياته وينوحوا عَلَيهِ بِما لا يَجُوز، وأقرَّهم عَلَى ذَلِكَ فهو داخل في الوعيد وإن لَمْ يوص، فإن أوصى فهو أشدّ.
وثالثها: أَنَّ معنى الْحَدِيث أَنَّهم كانوا ينوحون عَلَى الْمَيِّت ويندبونه بتعديد شمائله ومحاسنه في زعمهم، وتلك الشمائل قبائح في الشرع يعذّب ِبها، كما كانوا يقولون: يا مرمِّل النسوان، أَو مُؤتِّم الولدان، ومُخرِّب العمران، ومفرق الأخدان، ونحو ذَلِكَ مِمَّا يرونه شجاعة وفخرا وهو حرام شرعا.
ورابعها: أن الْمَعنَى أَنَّه يعذّب بسماعه بكاء أهله ويرق لَهم. واستدلوا عَلَيهِ بِحَدِيث فيه: "أنَّ النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - زَجَر /383/ امرأة عَن البكاء عَلَى أَبيهَا وقال: «إنَّ أَحدَكُم إذَا بَكَى، استَعبَرَ لَه صُوَيْحِبَه، فَيَا عِبادَ اللهِ لاَ تُعَذِّبُوا إِخوَانَكُم» ".
وخامسها: أَنَّ الْمُرَاد بالتعذيب توبيخ الْمَلاَئكة له بما يندبه أهله به، [كما] في حديث أبي موسى: «الْمَيِّتُ يُعذَّبُ بِبُكَاءِ الْحَيِّ»، إذا قالت النائحة: