الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٧ومنها: قوله: ﴿وَلاَ تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ﴾ فأخبر بِأَنَّهم أحياء، ونَهى عن عدهم في الأموات، وإذا كان كذَلِكَ فأضدادهم من الكفَّار يَجب أن يكونوا في عذاب القبر إذ لا قائل بالفرق، فمن أثبت التنعيم أثبت التعذيب.
أجاب أبو طاهر بوجهين: أَحَدُهُما: أَنَّهُ لو سَلَّمنا بذَلِكَ، لَمْ يلزم به حجَّة في عذاب القبر؛ لأَنَّه يَجب أن يكون أضدادهم أمواتا كما كانوا هم أحياء؛ لأَنَّ ضد الْحَياة الْمَوت.
قُلنَا: مَحَلّ الاستدلال قوله تَعَالَى: ﴿عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم مِّنْ خَلْفِهِمْ أَلاَّ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ﴾ فإن هَذِه الأحوال كُلّها دالَّة عَلَى تنعيمهم، فضدّهم عَلَى ضدِّ ذَلِكَ.
والوجه الثاني: أن الآية تَمثيل لا تَحقيق؛ لأَنَّه /397/ لا يَخلو من أحد وجوه ثلاثة: إِمَّا أن يريد أَنَّهم أحياء في الوقت عَلَى ظاهر اللفظ، وَإِمَّا أن يريد أَنَّهُم يحيون يوم القيامة، وَإِمَّا أن يريد الإخبار عن شرف حالهم وفضلهم فجعلهم كالأحياء، قال: ولا يَجُوز أن يكونوا أحياء في الْحَال عَلَى الْحَقِيقَة؛ لأَنَّ ذَلِكَ يوجب أن يكون جَمِيع الأنبياء ومن هو أفضل منهم وفي مثل حالهم من الْمُؤْمِنين؛ بل جَمِيع الْمُؤْمِنين أحياء في الوقت والأمر بِخِلاَفه، ولأَنَّه قال: ﴿أَحْيَاء عِندَ رَبِّهِمْ﴾ فلو كانوا أحياء في الْحَقِيقَة لوجب أن يراد ب ﴿عِندَ﴾ مَكان لَديه، فتعيَّن تفسير ﴿عِندَ﴾ بالْحكم كما في قوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ﴾، وقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ﴾ والْمَعنَى: في حكم الله. قال: ولا يَجُوز أن يكون الْمُرَاد به أن يحيون يوم الْقِيَامَة؛ لأَنَّ جَمِيع الناس برهم وفاجرهم فِيه سواء يحيون يوم القيامة؛ فلم يبق إِلاَّ أَنَّه أراد أَنَّهم أحياء عَلَى وجه التشريف