الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٤٨والإخبار عن جلالة حالهم وفضل شَأنهم، /398/ قال: ومن عادة العرب أن تمثل الحي بالْمَيِّت، والْمَيِّت بالْحيّ، قال الله تَعَالَى: ﴿أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ﴾، وقال الشاعر:
لَقد أَسَمِعت لَو نَادَيت … حيا … ولَكن لاَ حَياةَ لِمَن … تُنادي
وقال آخر:
إذا مَاتَ الْمَرء عَاشَ بِعظم … مَيِّت … فذاكَ الْمَيِّتُ حيٌّ وهُو … مَيِّت
قلنا: هذا مسلَّم في لفظ الْحَياة، فما تصنع بقوله: ﴿يُرْزَقُونَ * فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُواْ بِهِم﴾ فإِنَّه خبر لا يقبل التمثيل أصلا، وَإِلاَّ لتوجَّه احتمال التمثيل في جَمِيع الأخبار الإلهية وهذا باطل؛ إذ لو صحَّ لالتبس الْحَقُّ بالباطل والصدق الكذب، تَعَالَى الله عما يقول الْمبطلون علوًّا كبيرا، فهم كما أخبر رَبُّنا عنهم قطعا.
أَمَّا قوله: "لأنَّ ذَلِكَ يوجب أن يكون جَمِيع الأنبياء بل جَمِيع الْمُؤْمِنين أحياء في الوقت والأمر بِخِلاَف" فنحن لا نُسَلِّم به بوجوه:
أَحَدُها: أَنَّه قد وردت أخبار بثبوت الْحَياة للأنبياء بعد موتهم، وكذَلِكَ /399/ الْمُؤْمِنون؛ لأَنَّ التنعيم لَهُم إِنَّمَا يكون لِحياة ناموا فيها نومة العروس.
وَثَانِيها: أنا نقتصر عَلَى النص، فقد أخبرنا رَبّنا بِحياة الشهداء عَلَى الوصف الْمَذكُور، فنحن لا نزيد عَلَى ذَلِكَ الإخبار بنفس القياس؛ لأَنَّ الأمر غيب، والإخبار بالمغيبات بنفس القياس كذب صريح.