الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٥٤فَسبَّح الناسُ معه طويلا، ثُمَّ كبَّر وكبَّر الناس، ثُمَّ قالوا: يا رَسُول الله: (لِمَ) سَبَّحتَ؟ قال: «لَقَد تَضَايَقَ عَلَى هَذَا الرَّجُلِ الصالِحِ قَبْرهُ ثُمَّ فُرِّجَ عَنهُ»، قال: وعن الْحسن عنه - صلى الله عليه وسلم -: «ضُمَّ سَعدٌ ضَمَّةً حَتَّى صَارَ مِثلَ الشَّعرَةِ، فَدَعوتُ الله - عز وجل - أن يُرَفِّهَ عَنهُ (ذَلِكَ)؛ -وكَانَ- ذَلِكَ لأَنَّه كانَ لاَ يَستَبرِئُ مِن البول»، قال: /408/ وأنا أتأَوَّل ولا أسارع بتكذيب الرواة، فأقول: إن صحَّ أَنَّهُ لا يستبرئ فما مات إِلاَّ تائبا لكن مُحِّص في قبره، وكذا كُلّ من مَات يضمّ تَمحيصا عن ذنب أو ذنوب تاب منها، قال: لكن يعارض بِما رواه الطبراني عن أنس أَنَّه صَلَّى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عَلَى صبِيٍّ أو صبيَّة فقال: «لَو كَانَ نَجَا أَحدٌ مِن ضَمَّةِ الْقَبْرِ لَنَجَا هَذَا الصَّبِيُّ»، والصَّبِيّ لا ذنب له، قال:
وَلَعَلَّه مراهق، وضمُّ من لا ذنب له حُبّ.
قال: وكذا روى إبرَاهيم القنوي عن رجل قال: كنت عِندَ عائشة فمرَّت جنازة صبِيّ فبكت، فقلت لَها: ما يبكيك؟ فقالت: "هذا الصبي بَكيت مشفقة عَلَيهِ من ضمَّة القبر".
وعن أنس عنه - صلى الله عليه وسلم - قال: «مَا عُوفِيَ أَحَدٌ عَن ضَغطِ الْقَبرِ إِلاَّ فَاطِمَة بِنت أَسَد»، قيل: يا رَسُول الله: ولا القاسم ابنك؟ قال: «ولاَ إبرَاهيم» - وكانَ أصغر من القاسم - قال: «وَلاَ تَضغَطُ الأَنبِيَاء».
وروي عن أنس: أَنَّه توفيت زينب بنت رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - وكَانَت امرأة /409/ مسقامة، فتبعها رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فساءنا حاله، فَلَمَّا انتهينا إِلَى القبر فدخله التمع وجهه صفرة، فَلَمَّا خرج أَسفر وجهه، قُلنَا: يا رَسُول الله، رأينا منك شأنا فمِمَّ ذَلِكَ؟ قال: «ذَكَرتُ ضَغطَةَ الْقَبْرِ عَلَى ابنَتِي فَأَتَيتُ فَأُخْبِرتُ أَنَّ اللهَ قَد خَفَّفَ عَنهَا، ولَقَد ضُغِطَت ضَغطَة سُمِعَ صَوتُهَا مَا بَيْنَ الْخَافِقَيْنَ». هذا كلامه -رحمة الله عليه-، وفيه إثبات الضغطة والعذاب غير الدائم للمؤمن تَمحيصا للذنوب.
وبيان ذَلِكَ: أَنَّه جعل القبر من توابع