الجزء الثالث عشر
الجزء ١٣ · صفحة ٢٥٥الدنيا، والقائلون: بأَنَّه لا يعذّب فيه الْمُؤْمِن - وهو قول أصحابنا ومن تقدّم ذكره من غيرهم - جعلوا القبر من الآخرة، وأن الْمُؤْمِن لا عذاب عَلَيهِ في الآخرة.
وبنى القطب عَلَى قوله: هَذَا جواز الدعاء للمتبَرَّأ منه غير الْمنصوص عَلَيهِ بزوال عذاب القبر، وأن الدعاء بعذابه لا يكفي في البراءة، أخذا مِمَّا صحّ «أَنَّه - صلى الله عليه وسلم - مرَّ عَلَى إِنسَانَينِ يُعذَّبَانِ فِي قَبْرَيهِمَا، أَحَدُهُما بالنَّمِيمَةِ، وَالآخَر بِعَدمِ /410/ الاِستِبرَاءِ مِنَ البَولِ» فَجعل عَلَى قبر كُلٍّ منها كسرة من جريدة، كسرها كسرتين رجاء للتخفيف عنهما ما لَمْ تيبسا.
وفيه: أن طلب التخفيف بِجعل الْجريدتين ليس كطلبه الدعاء، فَإنَّهُ لا قائل: إِنَّ جعل ذَلِكَ عَلَى القبر ولاية، بِخلاف الدعاء فلا يَدُلُّ عَلَى الْمَطلُوب.
وأيضا: فالصلاة عَلَى الْمَيِّت أشدّ من جعل الْجريدة عَلَى قبره، وليست ولاية إِجْمَاعًا.
ثُمَّ إن ما ذكره من أحاديث الضغطة عَلَى الصَّبِيّ ناقض لِما قرَّره أَوَّلا من أَنَّها تكون للمؤمن تَمحيصا للذنوب، إذ لا ذنب للصبي. وأَمَّا حَمله ذَلِكَ عَلَى الْمراهق فيناقضه حديث أنس في أَنَّه لَمْ يعاف منها القاسم ولا إبرَاهيم، وكان إبراهيم قد مات وهو ابن ثَمَانية عشر شهرا، فينبغي أن يطلب الْجَمع بين الأحاديث إن صحَّت.
والوجه الْجامع بينهما: أن تجعل الضغطة نوعين: إِمَّا تَمحيصا، وَإِمَّا حبا.
فالأَوَّل: يكون لِمَن قارف ذنبا صغيرا ومات وَلَمْ يفعل ما يكفّر به.
والثاني: لِمَن مات موفِّيا بِجَمِيع /411/ الأوامر، أو مات صبيا لَمْ يقارف ذنبا.