معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث عشر

الجزء ١٣ · صفحة ٢٦٦

ضيعتي فأدركتني صلاة الْمَغرِب فَأتيت إِلَى جنب مقبرة فصلَّيت الْمَغرِب قريبا منها، فبينما أنا جالس إذ سَمِعت من جانب الْقُبُور أنينا فدنوت إِلَى القبر الذي سَمِعت منه الأنين وهو يقول: آه .. قد كنت أصوم .. قد كنت أصلِّي .. فأصابني قشعريرة فدعوت من حضرني فسمع مثل ما سَمِعت، ومضيت إِلَى ضيعتي ورجعت في اليوم الثاني وصلَّيت في موضعي الأَوَّل وصبرت حَتَّى غابت الشمس وصلَّيت الْمَغرِب ثُمَّ استمعت إِلَى ذَلِكَ القبر فإذا هو يئنُّ ويقول: آه .. قد كنت أصلِّي .. قد كنت أصوم .. فرجعت إِلَى منزلي، ومرضت بالْحُمى شهرين".

قال في الزواجر: "وأقولُ: قد وقع لي نظير ذَلِكَ أَنِّي كنت وأنا صغير أتعاهد قبر والدي /430/ للقراءة عَلَيهِ فخرجت يوما بعد صلاة الصبح بغلس في رمضان، بل أظن أن ذَلِكَ كان في العشر في الأواخر بل في ليلة القدر، فَلَمَّا جلست عَلَى قبره وقرأت شيئا من القرآن وَلَمْ يكن في الْمَقْبَرَة غيري، فإذا أنا أسمع التأوُّه العظيم والأنين الفضيع بآه .. آه .. آه .. وهكذا بصوت أزعجني من قبر مبنِيٌّ بالنّورة والْجصّ له بياض عظيم، فقطعت القراءة واستمعت، فسَمِعت صوت ذَلِكَ العذاب من داخله، وذَلِكَ الرجل الْمعذّب يتأوَّه تأوُّها عظيما بِحيث يقلق سَماعه القلب ويفزعه فاستمعت إليه زمنا، فَلَمَّا وقع الإسفار خفي حسُّه عنِّي، فمرَّ بِي إنسان فقُلتُ: قبر من هذا؟ قال: قبر فلان، رجل أدركته وأنا صغير وكان عَلَى غاية من ملازمة الْمَسجِد والصلَّوات في أوقاتها والصمت عن الكلام، وهذا كُلّه شاهدته وعرفته منه، فكبُر عليَّ الأمر جدا لِما أعلمه من أحوال الْخير التي كان ذَلِكَ الرجل ملتبِسا /431/ بِهَا في الظاهر، فسألت واستقصيت الذين يطلعون عَلَى حقيقة أحواله فأخبروني أَنَّه كان يأكلُ الربا، فَإنَّهُ كان تاجرا ثُمَّ كبر وبقي معه شيء من الْحطام فلم ترض نفسه الظالمة الْخَبيثة أن يأكل من كسبه

٣٬٨٣٥ / ٥٬٣٨٩