الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٦٧الله - صلى الله عليه وسلم - بقول أو بفعل، وقد قدَّمنا أنَّ الناقلين لكيفيَّة وُضُوئه - صلى الله عليه وسلم - لَمْ ينقلوه إِلاَّ متواليا، وَأَمَّا الْحَدِيث فهو إشارة إِلَى مَجموع تِلْكَ الكيفيَّة، ولا نسلِّم أَنَّهَا إشارة إِلَى بَعْض تِلْكَ الكيفيَّة دون بَعْض؛ لأَنَّ ذَلِكَ تَخصيص بغَيْر مُخصِّص.
وقد يُجاب بأنَّ الْمخصِّص في ذَلِكَ قرينة الحال، فَإنَّهُ تَوَضَّأ مَرَّةً مَرَّةً، فَقَالَ: «هَذَا وضوءٌ لا تُقبَل الصَّلاَة إِلاَّ بِه»، ثُمَّ تَوَضَّأ مَرَّتين مرَّتين وقَالَ: «من ضَاعفَ ضُوعفَ لَه»، ثُمَّ تَوَضَّأ ثَلاَثا ثَلاَثا وقَالَ: «هَذَا وضوئِي ووُضوءُ الأَنبِيَاء مِن قَبلي»، فسياقُ الْحَدِيث يَدُلُّ عَلَى أنَّ الإشارة إِنَّمَا وَقَعت عَلَى عدد الغسلاَت دون حَالَة الْمُوَالاَة.
وقد يُردُّ: بأنَّ الْجَمِيع مِن هَذِهِ الْحَالات إشارة إِلَى عدد الغسلاَت مع الْمُوَالاَة، فَإنَّهُ وإن كَانَ العدد هُو الْمقصود بالعِبَارَة فالْمُوَالاَة قَد دخلت بالإشارة، فَإنَّهُ لَو كانت الصَّلاَة تُقبل بوضوء عَلَى غَيْر تِلْكَ الكيفيَّة لَبَيَّنَه رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -، وَالله أعلَم.
احتجَّ القائلون بأنَّ الْمُوَالاَة غَيْر وَاجبة بِأَنَّه تَعَالَى أوجَب هَذِهِ الأعمال، ولا شكَّ أنَّ إِيْجَابَها قدر مُشترك بين إِيْجَابِها عَلَى سَبِيل الْمُوَالاَة وإِيْجَابِها عَلَى سَبِيل التراخي، ثُمَّ إِنَّه تَعَالَى حَكَم في آخر آية الْوُضُوء بأنَّ هَذَا القدر يُفيد حصول الطَّهَارَة وهُو قَوله تَعَالَى: ﴿وَلَكِن يُرِيدُ لِيُطَهَّرَكُمْ﴾، قَالُوا: فثبتَ أنَّ الْوُضُوء بدون الْمُوَالاَة يُفيد حصول الطَّهَارَة، فوجبَ أن نَقول بِجواز الصَّلاَة بِها لِقَولِه عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام: «مِفتَاحُ الصَّلاَةِ الطَّهَارَة».
ويُجَابُ: بأنَّ الآية لا تُفيد حَصر الطَّهَارَة عَلَى تِلْكَ الْهَيئَة، وإِنَّمَا غَاية ما فيها أَنَّهَا تَدُلُّ عَلَى أنَّ غسل الأَعضَاء الْمَخصُوصة سبَب للطَّهَارَة، ثُمَّ إنَّ