الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ١٦الْمَسأَلَة الثانية: في حكمة مشروعية الزكاة
وقد ذكر الفخر الرازي لَهَا وجوها كثيرة وحصر ذَلِكَ في نوعين:
أَحَدُهُما: عائد إِلَى معطي الزكاة. والثاني: عائد إِلَى آخذها.
فأَمَّا النوع الأَوَّل فهو أشياء: منها: أن الْمَال مَحبوب بالطبع؛ لأَنَّه سبب القدرة إِلَى حصول الْمَطلُوب، فكان ذَلِكَ يقتضي استغراق النفس في حبه؛ لأَنَّها مسارعة إِلَى ذَلِكَ فيفضي بها الْحَال إِلَى الغفلة عن حب الله، وعن التأهب للآخرة فاقتضت حكمة الشرع تكليف مالك الْمَال بإخراج طائفة منه من يده ليصير ذَلِكَ الإخراج كسرا لشدَّة الميل إِلَى الْمَال، ومنعا من انصراف النفس بالكلية إِلَى ذَلِكَ، وتنبيها لَهَا عَلَى أن سعادة الإنسان لا تَحصل /11/ عِندَ الاشتغال بطلب الْمَال، وَإِنَّمَا تحصل بإنفاق الْمَال في طلب مرضاة الله تَعَالَى؛ فإيجاب الزكاة علاج صالح متعين لإزالة مرض حب الدنيا عن القلب، فالله سبحانه أوجب الزكاة لِهَذِه الْحكمة، وهو الْمُرَاد من قوله: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا﴾.
ومنها: أن كثرة الْمَال توجب شدة القوة، وكمال القدرة، وتزايد الْمَال يوجب تزايد القدرة، وتزايد القدرة يوجب تزايد الالتذاذ بتلك القدرة، وتزايد تلك اللذات يدعو الإنسان إِلَى أن يسعى في تَحصيل الْمَال الذي صار سببا لِحصول هَذِه اللذات المتزايدة، وَلَمْ يكن لذَلِكَ آخر ولا انتهاء فأثبت الشرع لَهَا مقطعا وآخرا، حيث أوجب عَلَى صاحب الْمَال صرف طائفة من تلك الأموال إِلَى الإنفاق في طلب مرضاة الله تَعَالَى