الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ١٧ليصرف النفس عن ذَلِكَ الطريق الظلماني الذي لا آخر له، ويتوجَّه إِلَى عالم عبودية الله وطلب رضوانه.
ومنها: أن كثرة الْمَال سبب لحصول الطغيان والقسوة في القلب، وإليه الإشارة بقوله تَعَالَى: ﴿إِنَّ الْإِنسَانَ لَيَطْغَى * أَن رَّآهُ اسْتَغْنَى *﴾، وقال تَعَالَى: ﴿وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ﴾، فإيجاب الزكاة يقلل الطغيان، ويرد القلب إِلَى طلب رضوان /12/ الرحمن.
ومنها: أن النفس الناطقة لَهَا قوتان: نظرية وعملية.
فالقوة النظرية: كمالُهَا في التعظيم لأمر الله. والقوة العملية: كمالُهَا في الشفقة عَلَى خلق الله، فأوجب الله الزكاة ليحصل لجوهر الروح هذا الكمال، وهو اتصافه بكونه محسنا إِلَى الْخلق، ساعيا في إيصال الخيرات إليهم، دافعًا للآفات عنهم، ولهذا السر قال –عَلَيه الصلاَة والسلام-: «تَخَلَّقُوا بِأَخلاَقِ اللهِ».
ومنها: أن الْخلق إذا علموا في الإنسان كونه ساعيًا في إيصال الخيرات إليهم، وفي دفع الآفات عنهم أحبوه بالطبع، ومالت نفوسهم إليه لا مَحالة عَلَى ما قاله -عليه الصلاة والسلام-: «جُبِلَت القُلُوبُ عَلَى حُبِّ مَن أَحسَنَ إِلَيهَا، وَبُغضِ مَن أَسَاءَ إِلَيهَا»، فَالفقراء إذا علموا أن الغني يصرف إليهم طائفة من ماله، وأَنَّه كُلّما كان ماله أكثر الذي يصرفه إليهم من ذَلِكَ أكثر أمدوه بالدعاء، وللقلوب آثار، وللأرواح حرارة؛ فصارت تلك الدعوات سببا لبقاء ذَلِكَ الإنسان في الخير والخصب بقوله -عليه الصلاة والسلام-: «حَصِّنُوا أَموَالَكُم بِالزَّكَاةِ».
ومنها: أن الاستغناء عن الشيء أعظم من الاستغناء بالشيء، فإن الاستغناء بالشيء يوجب الاحتياج إليه، إِلاَّ أَنَّه يتوسَّل به إِلَى الاستغناء عن غيره.