الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ١٨أَمَّا الاستغناء عن /13/ الشيء فهو الغنى التام، ولذَلِكَ كان الاستغناء عن الشيء صفة الْحَقّ، والاستغناء بالشيء صفة الْخلق، فالله سبحانه لَمَّا أعطى بعض عبيده أموالا كثيرة فقد رزقه نصيبا وافرا من باب الاستغناء بالشيء، فإذا أمره بالزكاة كان الْمَقصُود أن ينقله من درجة الاستغناء بالشيء إِلَى المقام الذي هو أعلى منه وأشرف منه وهو الاستغناء عن الشيء.
وَمِنهَا: أن الْمَال سريع الزوال، مشرف عَلَى التفرق، متحقّق الذهاب، فما دام في يده فهو كالمشرف عَلَى الهلاك والتفرق، فإذا أنفقه في وجوه البر والخير والمصالح بقي بقاء لا يُمكن زواله، فإِنَّه يوجب المدح الدائم في الدنيا والثواب الدائم في الآخرة.
قال الفخر الرازي: وسَمِعت واحدا يقول: "الإنسان لا يقدر أن يذهب بذهبه إِلَى القبر". فقُلتُ: بل يُمكنه ذَلِكَ، فإِنَّه أَنفقه في طلب الرضوان الأكبر فقد ذهب به إِلَى القبر وإلى الْقِيَامَة.
وَمِنهَا: أن بذل الْمَال تشبّه بالْمَلاَئكة والأنبياء، وإمساكه تشبه بالبخلاء المذمومين فكان البذل أَولَى.
وَمِنهَا: أن إفاضة الخير والرحمة من صفات الْحَقّ - سبحانه وتعالى -، والسعي في تَحصيل هَذِه الصفة بقدر الطاقة تَخلق بأخلاق الله، وذَلِكَ منتهى الكمالات الإنسانية.
وَمِنهَا: أن الإنسان ليس له /14/ إِلاَّ ثلاثة أشياء: الروح، والبدن، والمال؛ فَلَمَّا أمر بالإيمان فقد صار جوهر الروح مستغرقا في هذا التكليف، وَلَمَّا أمر بالصلاة فقد صار الإنسان مستغرقا بالذكر والقراءة، والبدن مستغرقا في تلك الأعمال، بقي الْمَال؛ فلو لَمْ يصر الْمَال مصروفا