الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٤٧ومع ذَلِكَ فهُم مُشركونَ إجْمَاعًا، ولَم تُغنِهِم الْجُملَةُ الَّتِي أَقرُّوا بِها، حيث فرَّقُوا بين رُسلِ الله -عَليهم الصَّلاةُ والسَّلام-، فكذَلِكَ الْمُقِرُّ بِجُملَةِ الإسلاَمِ إِذا أَنكرَ بَعضَ أَركَانِه، ولأبي جابر أن يقول: سَلَّمنا أَنَّه بذَلِكَ مُشرك، فغاية ما فيه أَنَّه مُرتدٌّ، والْمُرتد يُجبَرُ إِلَى الإسلام وتَلزَمُه أحكامُه وهو ظاهر، وسيأتي في الْمُرتدِّ كَلامٌ إن شاء اللَّه تَعَالَى.
وَقِيلَ: لا ضمان عَلَيهِ في ما ضيَّعَ من حقوق اللَّهِ إذا عَجزَ عَن أدَائِها إذا تاب. /40/
ويوجد في بعض معاني قولِهم: أَنَّه لا ضمان عَلَيهِ فيها، ولو كان يقدر عَلَى أدائها بعد التّوبة، ويُرجى أن يَعفُوَ اللَّهُ عنه، ويُصلِح مَا أَقبَل.
وهذا القول يوجد عن أبي عبيدة، ومنازل بن جيفر، وموسى بن علي- رحمهم الله -، ولا أعرف لِهذَين القولين دليلًا إذا كان الْمُضيِّعُ مُنتهِكًا، فإنَّ الْخِطابَ قَد توجَّه إليه بوجُوب الْحُقُوق عليه، ولَم يَرِد بعد ذَلِكَ مَا يَرفَعُ الوُجوبَ عنه. أَمَّا عصيانُه وإسرافُه عَلَى نفسه فلا يُوجِبُ رَفعَ ما كان واجِبًا عَلَيهِ، بل يستحقُّ عليهما العقُوبةَ والإغلاظ؛ لكن لُطفَ اللَّه تَعَالَى ومِنَّتَه عَلينا وعليه أَن جعلَ التَّوبةَ مِفتاحُ الرّحْمَة، فهي جُبُّ الْمَعاصِي، ويبقى ما كان لازمًا عَلَيهِ عَلَى حاله حَتَّى يُؤدِّيه.