الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٧٦وبَحث القطب في هَذَا الاستدلال بِأَنَّه غَيْر مُسلَّم به عِندَ البحث، وعلى التسليم قَد تكون الآية دَلِيلا عَلَى أَنَّه لا يصحُّ الْوُضُوء إِلاَّ بعد زوال النجس.
قال أبو معاوية: غَسل البول والغائط بالْمَاء /196/ واجبٌ لسُنَّة النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم -، وإجماع الناس عَلَى غسل الأذى الذي يَكُون في الإنسان قبل الْوُضُوء، والبول والغائط من أشدِّ الأذى.
وقال نصر بن سليمان: لاَ صَلاَة لِمَن صَلَّى بغَيْر استنجاء.
وقد قال بَعْض أَصحَابنَا فيما وجدت عنهم: إذا لَمْ يَفِض البول عَن ثقبة الذكر أو رَمى الغائط عَن الدبر رَميا فَإِنَّه لَيس عَلَيهِ استنجاء؛ لأَنَّه مَأمور بإزالة ما ظَهر من النَّجَاسَة دون ما بطن. قالَ الشيخُ إِسْمَاعِيل: ووجدتُ مثل ذَلِكَ عن أكثر مُخالفينا، قَالَ: وهَذِهِ الرخصة مَوجُودة عن ابن عَبَّاس وغَيْره من الصَّحَابَة والتابعين.
وَأَمَّا الْمعمول به عِندَ أَصحَابنَا: أنَّه لاَ بُدَّ مِن الْمَاء؛ لأَنَّ ما قدَّمناه إِنَّمَا كَانَ في الصدر الأَوَّل، حَتَّى قالت عائشة - رضي الله عنها-: "إِنَّمَا كانُوا يَتَبَعَّرُون بَعرًا، وأنتُم تَثلطُونَ ثَلطًا"، ومَعنَى ذَلِكَ أنَّ الصدرَ الأَوَّل كَانُوا يَأكلون الْخَشن من الطعام لضيقِ الدنيا عَلَى بَعْضهِم ولِزُهد غَالبهم، فكَانَ الْخَارِج مِنهُم لا يُؤثِّر في جوانب الفرج، فكَانَت الرخصة في تركِ الاِستِنجَاء بالْمَاء مع الاِستِجمَار بالْحجَارة لائقَة في حقِّهم؛ لأَنَّ غسل النجسِ إِنَّمَا يَجِب إذَا ظهر عَلَى ظَاهِر الْجَسَد دونَ باطنه، وَأَمَّا أهلُ الأعصار الْمتأخِّرة فإنَّ الدنيا قد اتَّسعت لَهم ورغبوا في الْمعيشة، وأرغدوا مِن الطعام، وأنعموا الْمأكل فكَانَ الْخَارِج رَقيقا، أو جامدا غليظا لا يَخلو منه ظَاهِر الْجَسَد، فتعيَّن وُجُوب