الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ٩٩وأقول: إن فعل ذَلِكَ بأمر حاكم أو فتوى مفت فلا ضمان عَلَيهِ، ولا ينبغي للحاكم أن ينصب له خصومة إذا صح معه ذَلِكَ؛ لِئَلاَّ تتناقض الأحكام، فإن القابض قد أخذ بوجه واسع أو واجب، فيترك وما صنع، وإِن في رأي الْحَاكم الآخر منع ذَلِكَ، فلِكُلٍّ سبيلٌ، وتلك أمة قد خلت لَهَا ما كسبت ولكم ما كسبتم، واختلاف العُلَماء في الرأي رحْمة، وتناقض الأحكام فيه يفضي إِلَى الضّيق الْمُنافي للسّعة الْمَقصُودة من سكوت الشارع عن النص عَلَى الْحكم، فإِنَّه تَعَالَى لو أراد الْحتم عَلَى الناس فيه بِحُكمٍ دون حكم لعيّنه بالنصوص القاطعة، كما اقتضت حكمته ذَلِكَ في الْمَنصوصات، فلمّا تركهم واجتهادهم علمنا أَنَّه لَم يُرِد منهم حكما دون حكم، بل جَمِيع أقوال الْمُجتهدين في ذَلِكَ صوابٌ، كما في حديث: «كُلُّ مُجْتَهِدٍ مُصِيبٌ»، فمن هاهنا لا ينبغي التعرض لِما فعل بِحُكم أو فتوى.
فأَمَّا الذي يفعله الإنسان عن اختياره من غير فتوى ولا حكم، ولا هو مِمَّن يعرف الترجيح، فيَحسُن في حقّه نصب الْخُصومة عليه، ويُمكن أن يُقال في هذا أيضا أَنَّه يَحسُن السُّكوتُ عنه؛ لأَنَّ بعض العُلَماء أجاز له أن يَختار من الأقوال فيعمل بأيّها شاء، وإذا /81/ جاز له الدخول في الشيء لِمعنى صحيح في الشرع، فلا ينبغي له أن يُطلَب بضمانه.
وفيه أن يقال: إن الله تَعَالَى أمر العامة بسؤال أهل الْعِلم في قوله: ﴿فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾، وإن عمل العامي باختياره يبطل الْحكمة الْمَقصُودة من سؤال العُلَماء، وفي فتح هذا الباب أمر يطول لِما يُفضي إليه من الأحوال: