الجزء الرابع عشر
الجزء ١٤ · صفحة ١٣٦والْمعدن من "عَدَنَ بِالْمَكَان" أي: أقام به، والرّكاز من "رَكَزَ الرُّمْحَ" أي: غرزه، وعلى هذا جاز إطلاقه عليهما؛ لأَنَّ كل واحد منهما مركوز في الأرض، أي: مثبت، وإن اختلف الرّاكز، أي: الْمُثبِّت، فالْمُثبت في الْمعدن /108/ الْخالقُ، وفي الكنز الْمَخلوقُ.
وَالْحُجَّة لنا حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: «العجمَاءُ جُرْحُهَا جُبَار، والبِئْرُ جُبَار، والْمَعْدنُ جُبَار، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُس».
ووجه الاِحتِجَاج: عطف الرّكاز عَلَى الْمعدن، وأَنَّه فرّق بينهما، وجعل لكلّ منهما حكمًا، ولو كانا بِمَعنَى واحد لَجمع بينهما، وقال: "وَالْمَعْدِنُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ"، أو قال: "وَالرِّكَازُ جُبَارٌ وَفِيهِ الْخُمُسُ"، فلمّا فرّق بينهما دلّ عَلَى تغايرهِما.
أجاب ابن الْهمام: بأنّ الْحكم الْمُعلّق بالْمعدن ليس هو الْمُعلّق في ضمن الرِّكاز حَتَّى يَختلف بالسّلب والايجاب، إذ الْمُرَاد به أن إهلاكه أو الْهلاك به للأجير الْحافر له غير مضمون؛ لأَنَّه شيء أدخل فيه نفسه، وإلاَّ لَم يَجب شيء أصلًا، وهو خلاف الْمتّفق عَلَيهِ، إذ الْخِلاَف إِنَّمَا هو في كمّيته لا في أصله.
وقال الْحُسيني: للخصم أن يقول: الْمَعدن هو الرّكاز، فلما أراد أن يذكر لَهَا حكمًا آخر ذكره بالاسم الآخر وهو الرّكاز، ولفظ الصَّحِيح: «وَالبِئْرُ جُبَارٌ، وَفِي الرِّكَازِ الْخُمُسُ»، فلو قال: "وفيه الْخُمُسُ" لَحصل الالتباس باحتمال عود الضمير إِلَى البئر.