الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ١٠٨وقد وَافقنا أبو حنيفة في نقضِ الْوُضُوء بالْخَارِج النجس من غَيْر السَّبِيلين، وخالفنا في ذَلِكَ الشافعي مُحتجًّا بأنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - «احتَجَمَ وَصَلَّى وَلَم يَزِدْ عَلَى غَسلِ أَثَرِ مَحَاجِمِه».
وهَذِهِ الرواية لَمْ تصحّ عِندَ أَصحَابنَا، سَلَّمنا أَنَّهَا صحيحة فدمُه - صلى الله عليه وسلم - لَيس كدمِ غَيْره، فَقد قِيلَ بِطَهَارَة دَمه - صلى الله عليه وسلم - من بين سَائِر الدماء، سلَّمنا أنَّ حُكم دمه حُكم دم غَيْره فقَد رُوِيَ عَنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الْوُضُوءُ مِن كُلِّ دَمٍ سَائِلٍ».
وعن سلمان أَنَّهُ رَعف عِندَ النَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - فَقَالَ لَه: «أَحدِثْ لِذَلكَ وُضُوءً».
فهَذِهِ الأحاديث دالَّة عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء مِن الدم، وهي أحاديث قَوليَّة، وما احتجَّ /212/ به الشافعي فِعل، والفعل لا يُعارض الْقَوْل لاحتمالِ أَنَّهُ كَانَ مَخصُوصا بذَلِكَ.
وَالْحُجَّة لنا عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء من الْخَارِج النجس مِن غَيْر السَّبِيلين ما رُوِيَ عنه - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «مَن أَصَابَه قَيءٌ أَو قَلَس أَو مَذي أَو رُعَافٌ وَهُو في صَلاتِه فَليتَوَضَّأ»، وحَدِيث: «من قاءَ أو قَلس فليتَوَضَّأ»، وما تَقَدَّمَ من حَدِيث سلمان وغَيْره، فكل هَذَا يَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ الْوُضُوء من الْخَارِج النجس من غَيْر السَّبِيلين.
وأَيضًا: فظَاهِر قوله تَعَالَى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ … الآية﴾ يَقتضي الإتيان بالْوُضُوء لِكُلِّ صَلاَة وترك العمل بالظَّاهِر فيما لَمْ يَخرج الْخَارِج النجس من البدن بدَلِيل، فيبقى الظَّاهِر معمولا به عِندَ خروج الْخَارِج النجس، وَالله أَعلَم.