الجزء الخامس عشر
الجزء ١٥ · صفحة ٢٧٦وقال في فتح الباري: هل تَجب على السيّد ابتداءً، أو تَجب على العبد ثُمّ يتحمّلها السيّد؟ وجهان للشّافعية، وإلى الثاني نَحا البخاري.
وحجَّة الكلام: ظاهر حديث ابن عمر: «فَرَضَ رَسُولُ اللهِ - صلى الله عليه وسلم - زَكَاةَ الفِطرِ صَاعًا مِنْ تَمرٍ أَوْ صَاعًا مِن شَعِيرٍ عَلَى الْعَبْدِ وَالْحُرِّ … الخ».
وأُجِيبَ: بأنّ "على" في الْحديث بِمعنَى "عن"، كما جاء مصرّحا به في بعض الرّوايات.
واحتجّ الْجمهور بشيئين، عقلي ونقلي:
فأمّا العقلي فإنّ الْمقصود الأصليّ من التّكليف أن يصرف الْمكلّف نفس منفعته لِمالكه، وهو الرّبّ -سبحانه وتعالى- ابتلاءً له؛ لتظهر طاعته من عصيانه، ولذا لا يتعلّق التّكليف إلاّ بفعل الْمكلَّف، فإذا فُرض كون المكلّف لا يلزمه شرعا صَرف تلك الْمنفعة الّتِي هي في ما نَحن فيه فعل الإعطاء، وإنّما يلزم شخصا آخر لزم انتفاء الابتلاء الذي هو مقصود التّكليف في حقّ ذلك الْمكلّف، وثبوت الفائدة بالنّسبة إلى ذلك الآخر لا تتوقف على الإيجاب على الأوّل؛ لأنّ الذي له ولاية الإيجاد والإعدام يُمكن أن يكلّف ابتداءً السّيّد، بسبب عبدٍ مَلَّكَه له من فضله. وهذا الدّليل مبطل لقول الشافعي بوجوبِها على العبد ثُمّ يتحمّلها السّيّد.