معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ١٠٠

الْمسألة الثالثة: في اغترار الناس بِما في أيديهم

اعلم أنّ الله تعالى أوجد أعراض الدّنيا بُلغَةً، فاتّخذها النّاس عقدة، وصيَّر الدّنيا مرتَحلا ومَمرّا، فصيّروها موطنا ومقرّا، ومن وجهٍ منحةٌ منحت للإنسان ينتفع بِها مدّة، ويذرها لينتفع بِها غيره من بعده، ومن وجهٍ وديعة في يده رخّص له استعمالَها والانتفاع بِها بعد ألا يسرف فيها، لكنّ الإنسان لِجهله ونسيانه لَمّا عهد إليه اغترّ بِها، وظنّ أنّها جعلت له هبة مؤبّدة، فركن إليها، واعتمد عليها، /487/ ولَم يؤدّ أمانة الله فيها، ولَمّا طُولب بردّها تضرّر منه وضجر، فلم ينزع عنها إلا بنزع روحه، أو كسر يده. وبعضهم –وهم الأقلّون– حفظوا ما عهد إليهم، فتناولوها تناول العارية والْمنحة والوديعة، فأدّوا فيها الأمانة، وعلموا أنّها مسترجعة، فلمّا استردّت منهم لَم يغضبوا، ولَم يَجزعوا، وردّوها شاكرين لِما نالوه، ومشكورين لأداء الأمانة فيها.

وقد ذكر بعض الْحكماء مثلا فقال: "إنّ مثل أهل الدّنيا فيما أعطوه من أعراض الدّنيا مثل رجل دعا قوما إلى داره فأخذ طبق ذهب عليه بُخور ورياحين، وكان إذا دخل أحدهم تلقاه به، ورفعه إليه لا ليتملكه، بل ليشمّه ويدفعه إلى من يَجيء بعده، فمن كان جاهلا برسومه ظنّ أنّه قد وهب له فيضجر إذا استرجع منه، ومن كان عارفا برسومه أخذه بشكر، وردّه بانشراح صدره، والله أعلم.

٤٬٥٤٥ / ٥٬٣٨٩