الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٠١وكان رجل من الْمسلمين لَم ير أنّه صاحب مال فدفع إليهم ثلاثة آلاف درهم، فقال له أبو طاهر: أي أخي، العيال. قال: الله لَهم، والله ما رأيت منذ كنت وجها مثل هذا أُنفِق فيه أفأدعه إذا وجدته، والله لا يرجع إلَيّ منها درهم، ولكن عهد الله لا تُخبِر باسْمي ما بقيت ففعلوا، فلم يُمس اللّيل حتّى جَمع أبو طاهر عشرة آلاف درهم، فأخبروا حاجبا فسرّ بذلك؛ فقال: إنّ في النّاس لبقية بعد.
فاشترى بتلك الأموال سلاحا فوجّهه ووجّه ما بقي، وبعث أهل البصرة أيضا بثلاثة أحْمَال مال إلى إمام الْمسلمين بالْمغرب عبد الرّحْمن بن رستم - رضي الله عنه -، فلمّا بلغت الرّسل إلى تيهرت وجدوا الإمام فوق دار يطينها، والعبيد يناولونه الطّين، فسألوا العبيد أن يستأذنوا لَهم على الإمام وقد سَمع قولَهم وما طلبوا، فنَزل وغسل الطّين، وأذن لَهم فدخلوا فسلّموا وردّ عليهم، /634/ وفتّت لَهم خبزا، وعصر عليه عكة، فلمّا أكلوا خلصوا نَجيّا.
قال أبو زكرياء: واجتمع رأيهم على أنّهم رضوا عنه، واتّفقوا على أن يدفعوا له الْمال، فلمّا أتوه بالْمال نادى: "الصّلاة جامعة". فلمّا صلّوا شاور أخيار الْمسلمين، وذوي الرأي والفقه منهم، فأشاروا عليه أن يفرّقها في ذوي الْحاجات ففعل، وذلك بِمحضر الرّسل، فلمّا رجعوا أخبَروا بِما رأوا وشاهدوا من عدله، فأرسلوا له بِما يقرب من عشرة أحمال أو أزيد بقليل.