معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء السادس عشر

الجزء ١٦ · صفحة ٣١٣

التنبيه الرابع: في الأخذ من الزّكاة أفضل أم من صدقة التّطوع

وقد اختلفوا في ذلك: فقال بعضهم: أخذ الزّكاة أفضل؛ لأنّها إعانة على واجب، ولو ترك الْمساكين وحدهم كلّهم أخذ الزّكاة لأثِموا؛ ولأنّ الزّكاة لا منّة فيها، وإنّما هو حقّ واجب لِلَّه سبحانه، رزقا لعباده الْمحتاجين، ولأنّه أخذ بالحاجة، والإنسان يعلم حاجة نفسه قطعا، وأخذ الصدقة أخذ بالدين، فإنَّ الغالب أنّ الْمتصدّق يعطي من يعتقد فيه خيرا، ولأنّ مرافقة الْمساكين أبعد من التكبّر؛ إذ قد يأخذ الإنسان الصّدقة في معرض الْهديّة فلا تتميّز عنه.

وقال آخرون: /642/ -منهم إبراهيم الْخواص والْجنيد-: إنّ الأخذ من صدقة التّطوع أفضل، فإن في أخذ الزّكاة مزاحَمة للمساكين وتضييقا عليهم، ولأنّه ربّما لا يكمل في أخذه صفة الاستحقاق كما وصف في الكتاب العزيز، وأمّا الصدقة فالأمر فيها أوسع.

وفصّل الغزالي فقال: "إنّ هذا يَختلف بأحوال الشّخص، وما يغلب عليه، وما يَحضره من النّيّة، فإن كان في شبهة من اتّصافه بصفة الاستحقاق فلا ينبغي أن يأخذ الزّكاة، فإذا علم أنّه مستحقّ قطعا، كما إذا حصل عليه دين صرفه إلى خير، وليس له وجه في قضائه فهو مستحقّ قطعا، فإذا خُيّر هذا بين الزّكاة وبين الصّدقة فإذا كان صاحب الصّدقة لا يتصدَّق بذلك الْمال لو لَم يأخذه هو فليأخذ الصّدقة، فإنّ الزّكاة الواجبة يصرفها صاحبها إلى مستحقّها، ففي ذلك تكثير للخير، وتوسيع على الْمساكين. وإن كان الْمال معرّضا للصّدقة ولَم يكن في أخذ الزّكاة تضييق على الْمساكين فهو مُخيّر، والأمر فيها يتفاوت،

٤٬٧٥٨ / ٥٬٣٨٩