الجزء السادس عشر
الجزء ١٦ · صفحة ٣٢٣قلنا: كونُها ملكا لا ينازع فيها أحد، وجواز أكل الْمتصدّق منها غير ثبوت الْملك فلا يتمّ لأبي مُحمّد مطلوبه، واعلم أنّ في شراء زكاته مفسدتين:
إِحْدَاهُما: أنّه يتّخذ ذلك ذريعة وحيلة إلى استرجاع شيء منها؛ لأنّ الفقير يستحيي منه فلا يُماكسه في ثَمنها، وربَّما أرخصها ليطمع أن يدفع إليه صدقة أخرى، وربّما علم أو توهّم أنّه إن لَم يبعه إيّاها استرجعها منه، فيقول: ظَفري بِهذا الثّمن خير من الْحرمان.
والْمفسدة الثانية: طمع نفسه في ما أخرجه لِلّه، فإنّ النّفس متَى طمعت فيه بوجه مّا لَم تطب به نفسا لِلّه وهي متعلّقة به، وشأن النّفوس الشّريفة ذوات الأقدار والْهمم أنّها إذا أعطت عطاء لَم تسمح بالعود فيه بوجه، لا بشراء ولا بغيره، وتعدّ ذلك دناءة، ولِهذا مثّل النّبِيُّ - صلى الله عليه وسلم - «العائدَ فِي هِبَتِهِ بِالكَلْبِ يَعُودُ فِي قَيئِه» لِخسّته ودناءة نفسه، وشحّه بِما قاءه، فمن مَحاسن الشّريعة منع الْمتصدّق من شراء صدقته، ولِهذا مُنِع من سكنَى بلاده التِي هاجر منها لِلّه، وإن صارت بعد ذلك دار إسلام، كما مَنع النّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - الْمهاجرين بعد الفتح من الإقامة بِمكّة فَوق ثلاثة أيَّام؛ /650/ لأنّهم أخرجوا عن ديارهم لِلّه فلا ينبغي أن يعودوا في شيء تركوه لِلّه، وإن زال الْمعنَى الذي تركوها لأجله، والله أعلم.