معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الأول

الجزء ١ · صفحة ٤٩

الْمَسأَلة الأولى: [بيان شريعة نبيِّنا لا يصحُّ نسخها بغيرها، وَفي جواز نسخ بَعضها ببعض]

قد عَلِمت مِمَّا تقدَّم أَنَّ النسخَ جائزٌ وواقع عَلَى الشرائع التي قَبل نبيِّنا، أَمَّا شريعة نبيِّنا فلا يصحُّ نسخها، لإخبارِ الله تَعَالىَ ورسوله وإجماع الأمم بأنَّ نبيَّنا عَلَيه - عليه السلام - /20/ خاتَم النبيِّين، فَيمتنع أن يكون شرعُه منسوخا بشرع غَيره، فيستحيل النسخُ استحالة شرعيَّة بِموتِه - صلى الله عليه وسلم -، وَأَمَّا فِي زمانه فَإنَّهُ قد وقعَ نسخ بَعض شَرعه ببعض.

وزعم طائفة من الموحِّدين أَنَّهُ لا نَسخ فِي القُرْآن ولكنَّه ناسخ لغيره، وغيره نسخ بَعضه بَعضا.

ورُدَّ عَلَيهم: بظاهر قوله تَعَالىَ: ﴿مَا نَنسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِّنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾ فإنَّ لفظَ الآية متَى أُطلِق انصرفَ إِلَى آيات القُرْآن العظيم. وَأَيضًا: فقَد نَسخ بَعضه بَعضا، فلاَ وجهَ للقولِ بِخلافه، فَمَن ذَلِكَ قوله تَعَالىَ: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالأقْرَبِينَ بِالْمَعْرُوفِ حَقًّا عَلَى الْمُتَّقِينَ﴾ نُسِخ منه الإيصاءُ للوالدين بآيَة الإرثِ، وَقيل: بِحديث «لاَ وصيَّة لوَارِث».

ومن ذَلِكَ: قَوله تَعَالىَ: ﴿وَعَلَى الَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ﴾ قيل: نُسِخ بقوله - سبحانه وتعالى -: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ الشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾، وَقيل: غَير منسوخ لَكِن يُقدَّر حرف النفي، أي: عَلَى الذِين لا يُطيقونَه.

ومِن ذَلِكَ: قولُه - عز وجل -: ﴿كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ﴾ فَإنَّهُ قيل: منسوخ بقوله: ﴿أُحِلَّ لَكُمْ لَيْلَةَ الصِّيَامِ الرَّفَثُ إِلَى نِسَآئِكُمْ﴾؛ لأَنَّ مُقتضاه الموافقَة فِيما كانَ عَلَيهم من تَحريم الأكلِ والوطءِ بَعد النومِ.

ومِن ذَلِكَ: قولُه - عز وجل -: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ﴾ زعمَ الطبري عن عَطاء بن ميسرة أَنَّهُ مَنسوخ بقوله تَعَالىَ: ﴿قَاتِلُواْ الْمُشْرِكِينَ كَآفَّةً﴾،

٤٩ / ٥٬٣٨٩