الجزء الثامن عشر
الجزء ١٨ · صفحة ١٦٣وهو مع كونه أخص من محل النزاع فقد قِيلَ: في إسناده ضعف.
ولعل من كرهه من أصحابنا نظروا إلى أن للجسد منافذ دقيقة يمكن أن تأخذ الماء إلى باطنه فيشبه ذلك الشرب؛ أو لأَنَّ التقوي به يشبه التقوي بالشرب، والثواب فيما يجد الصائم من ألم الجوع والعطش وقمع الشهوة، وحالة الاستنقاع تنافي ذلك.
ولبعدهم عن الشبهة في جميع المواطن تنَزَّهوا عَمَّا يدنس الصوم ويخالف /367/ حكمته. ولشدة ورعهم لَم ينقضوا صوم فاعله.
وذهب الجمهور من قومنا إلى أَنَّهُ يجوز للصائم أن يكسر الْحَرَّ بصب الماء على بعض بدنه أو كلّه، ولم يفرقوا بين الأغسال الواجبة والمسنونة والمباحة.
واستدلُّوا على ذلك «بِأنَّهُ - صلى الله عليه وسلم - قَد صَبَّ الْمَاءَ عَلَى رَأسِهِ مِنَ الْحَرِّ وَهُوَ صَائِم»، والحديث لا مرية في صحته. والنَّبِيِّ - صلى الله عليه وسلم - إِنَّمَا فعل ذلك بين جمهور الصحابة في مسيره على الفتح، فلا يقال: إنه خاص به؛ إذ لو كان خاصا به لبيَّن وجه الخصوصية لعلمه أن الناس يأخذون عنه دينهم، والفعل شاهر ظاهر ينقله الأوَّل للآخر، والحاضر للغائب، والتأسي به مطلوب شرعا، فثبت الجواز. ونقل أَنَّ ابن عمر بلَّ ثوبا فألقاه عليه وهو صائم.
وقال ابن عباس: لا بأس أن يتطعم القدر أو الشيء، وإذا لم يناف الصوم إدخال الطعام في الفم وتطعّمه وتقريبه من الازدراد لم ينافه إيصاله الماء إِلَى بشرة الجسد من باب أولى، وقد جازت المضمضة للصائم إجماعا، وهو أشد من مباشرة /368/ ظاهر الجسد للماء، والله أعلم.