الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٥٥ولأبي زياد أن يَقُول: لا نُسلِّم أنَّ للوسائل حُكم الْمقاصد مُطلقا بل ذَلِكَ في مَواضع الطاعة والعصيان، والقهقهة في الصَّلاَة سَبب لنقض الْوُضُوء، وبعدها لا تكون سببا لذَلِكَ، والأسباب مِن أَحكَام الوضع فلا يَجِب أن يقاس بَعْضها عَلَى بَعْض، بل ولا يصحُّ ذَلِكَ إذ ليس كُلّ ما كَانَ سببا لشَيء في مَوضِع يلزم أن يَكُون سببا له في غَيْر ذَلِكَ الْمَوضِع.
فليس التسليم ضحكا فضلا من أن يعطى حُكم القهقهة، وأَيضًا: فلا نُسلِّم أنَّ التسليم لأجل الضحك حَتَّى يَكُون مَعصِيَة، وإِنَّمَا هو لأجل أن يسلَم له وضوؤه، والْمحافظة عَلَى الْوُضُوء طاعة.
قُلنا: هي طاعة إن وَقعت في مَحَلّها، فَأَمَّا الْمحافظة عَلَيْهَا بإبطال عمل دخل فيها، فالظَّاهِر أَنَّهَا مُحافظة بِمَعصِيَة، ولا يَكُون طائعا عاصيا في حالة وَاحِدَة، وَالله أَعلَم.
- وَأَمَّا الرياء والْحسد وسَائِر الْمعاصي الباطنة: فَإِنَّها إن خطرت بالقلب ونفاها فلا ينتقض وضوؤه؛ لأَنَّ ذَلِكَ ليس باختيار منه، وما لَمْ يكن مُختارا له فمعفوٌّ عنه اِتِّفَاقا.
وإن أقرَّه وارتضاه وعمل بِمقتضاه ثبت الْخِلاَف في نقض طهارته لدخوله تَحت الْخِلاَف في النقض بِحدوث الْمعاصي، وَالله أَعلَم.
وحُكم سَائِر الْمعاصِي الظَّاهِرة والباطنة: حُكم ما ذكرنا فلا نطيل بتفصيل ذَلِكَ، وَالله أَعلَم.
وَأَمَّا الْقَوْل الناقض للوُضُوء: فهو عَلَى سِتَّة أنواع: غيبة، ونَميمة، واليمين الفاجرة، والكذب العمد، والدعاء عَلَى غَيْر مستحقٍّ، واللفظ الْمستقبح، وكلُّها ناقض للوُضُوء عِندَ أكثر أَصحَابنَا؛ لِما رُوِيَ عن رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - أَنَّهُ قَالَ: «الْغِيبَةُ وَالكَذِبُ يُفطِرَانِ الصَّائِم وَينقضَانِ الطَّهَارَة».