الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٧٦وقد أنزله الْمسلمون بِمزلته، وإذا عذَّب الله قوما عَلَى شَيء عذَّب من هو أعظم منه جرما وإن لَمْ يأت فيه بوعيد.
قال بشير: لو أنَّ رجلا ضرب رجلا بِخشبة أو ما فوق ذَلِكَ لألزمنا الضارب البراءة؛ لأَنَّهُ قد قامت الْحجَّة في العقل أنَّ ذَلِكَ ظلم. قَالَ: وهَذَا وأشباهه من حجَّة العقل.
وَكَذَلِكَ لو سرق منه في الْميزان قدر حبَّة فما فوقها مُتَعَمِّدا للتطفيف، وَكَانَ ذَلِكَ في تَعارف الناس أَنَّهُ ظلم فعَلَيهِ البراءة ما كَانَ مثل هَذَا وَلَم يَجز الوقوف؛ لأَنَّ حجَّته قد قامت.
وَأَمَّا الصغِير من الذنوب: فقِيلَ: ليس هو بشَيء مَحدود؛ لأَنَّهُم قَالُوا: إنَّ ما دون الكبائر فهو صغِير.
وقد حدَّه بَعْضهم: فَقَالَ أبو عبد الله مُحَمَّد بن مَحبُوب -رحمهم الله- في قوله تَعَالَى: ﴿إِلاَّ اللَّمَمَ﴾ قَالَ: ما دُون الكبائر من الذنوب التي تكون بين العباد وبين الله مثل الغمزة واللمزة والنظرة، وما كَانَ أهله يدينون منه بالتوبة والاستغفار فذَلِكَ هو اللمم، وكلّ مَا لَمَّ بالقلب من ذكر الْمَعصِيَة، والْهمِّ بِها، والنيَّة للعمل بِها من غَيْر شَتم الْمسلمين ولا وقوع في أعراضهم، فهَذَا إذا نَسِيَ أن يستغفر الله منه؛ لِقَولِه تَعَالَى: ﴿إِنَّ رَبَّكَ وَاسِعُ الْمَغْفِرَةِ﴾ فَهَذَا إذا كَانَ يدين بالتوبة منه وَمِمَّا نَهاه الله عنه أَجزَأه، أي تُجزيه الدينونة بالتوبة من هَذَا كُلِّه، ولا يلزمه أن يتوب منه بعينه كما يلزمه ذَلِكَ في الكبائر، وَالله أَعلَم.
وقِيلَ: إنَّ الصغِير من الذنوب، مثل: الكذبة التي لَمْ يتلف بِها مال أو نفس، فإن أتلف بِها مال أو نفس فهي من الكبائر.