الجزء الثاني
الجزء ٢ · صفحة ٢٨٣قال صَاحِبُ الإِيضَاح: والنظرُ يوجب عِندِي هَذَا الْقَوْل حَتَّى يصحَّ القياس.
وتطَّردُ الْعِلَّة في الْمجنون والسكران والْمغمَى عَلَيهِ، ولذَلِكَ خصَّ عَلَيهِ السلام نَوْم الاضطجاع؛ لأَنَّهُ يعرض فيه الثقل ما لا يعرض في غَيْره؛ لأَنَّ من قولِهم -رحمهم الله-: إِنَّ مَن تغَيَّر عقله بِجنون أو سكر أو علَّة انتقض وضوؤه سواء كَانَ قائما أو قاعدا قياسا عَلَى النائم، وليس كُلُّ نائم ينتقض وضوؤه إِلاَّ أن يَكُون النَّوْم الغالب، فيصحُّ القياس عَلَيهِ وتطَّرد /298/ الْعِلَّة، ويَكُون كُلّ من غاب عقله انتقض وضوؤه قياسا عَلَى النَّوْم الغالب الذي يغيب معه العقل بالكليَّة، وَالله أَعلَم.
وَحُجَّة من قال إنَّ النَّوْم كُلَّه لا يَنقض الْوُضُوء إِلاَّ نَوْم الاضطجاع الأحاديث الْمُتَقَدِّمة، ومنها حَدِيث ابن عَبَّاس: «أنَّ النَّبِيَّ -عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام- سجدَ حَتَّى غطَّ فنفخَ فقام فصَلَّى» فقُلتُ: يا رَسُول الله، قد نِمت فَقَالَ: «إِنَّمَا الْوُضُوءُ عَلَى مَن نَامَ مُضطَجِعًا».
وما رُوِيَ عن جابر بن زيد -رحمه الله- أَنَّهُ قَالَ: «كَانَ أصحابُ رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - ينامُونَ جُلُوسا حَتَّى تَخفَق رُؤوسهم ثُمَّ يُصَلُّون ولاَ يَتوضَّؤون، والنَّبِيّ -عَلَيهِ الصَّلاَة والسلام- يشاهدهم عَلَى تِلْكَ الْحَالة ولاَ يَأمرهم بإِعَادَة الْوُضُوء».
قال أبو مُحَمَّد: وهَذَا الْقَوْل عَلَى قلَّة استِعمَالِهم له عِندِي أنظر؛ لأَنَّ السُّنَّة تشهد بصحَّته؛ لِما رُوِيَ أنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - اتَّكأ عَلَى يده نائما حَتَّى نفخ ثُمَّ قام وصَلَّى فقِيلَ له: نَعست، فَقَالَ - صلى الله عليه وسلم -: «تَنَامُ عَينِي ولاَ يَنَامُ قَلبِي»، والنَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم - مستوٍ هو وغَيْره في حُكم البشريَّة إِلاَّ فيما أخبرنا أَنَّهُ مَخصُوص به، وكيف وقد نام