معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثاني

الجزء ٢ · صفحة ٢٩١

فَاطَّهَّرُواْ}، وإِنَّمَا يهلك تاركه بتركه حَتَّى تفوت الفَرِيضَة، أو يطلع الفجر من رمضان إذا أخَّر الاغتسال مُختارا وَكَانَ في حضره، فَإِنَّه من أصبح جنبا فقد أصبح مفطرا.

والغُسل من الْجَنَابَة بَقية من دين إبراهيم وإِسْمَاعِيل عَلَى نبيِّنا وعَلَيهِم أفضل الصَّلاَة والسلام، كما بقي الْحجّ والنكاح، ولذَلِكَ نذر أبو سفيان ألاَّ يَمسَّ رأسه ماء من جنابة حَتَّى يغزو رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم -.

قِيلَ: ولِهَذَا لَمْ تَحتج العرب إِلَى تفسير ذَلِكَ بالكِتَاب العزيز، بل قِيلَ لَهم ﴿وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ﴾.

وَلَمَّا كانت الطَّهَارَة الصغرى وهي الْوُضُوء لا تعرفها العرب بيَّن لَهم ذَلِكَ في كِتَابه فذكر الأَعضَاء الْمَغسُولَة في قوله: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُواْ وُجُوهكُمْ … ﴾ الآية.

ويروى عن أبي ذرٍّ الغفاري قَالَ: أقبل عشرة من أحبار اليهود إِلَى رَسُول الله - صلى الله عليه وسلم - فَقَالُوا: يا مُحَمَّد، لِمَ أمر الله تَعَالَى بالغسل من الْجَنَابَة وَلَم يأمر بالغسل من البول والغائط، وهما أقذر من النطفة؟ فَقَالَ لَهم النَّبِيُّ - عليه السلام -: «إنَّ آدم - عليه السلام - لَمَّا أكلَ من الشجرة تَجوَّلت في عروقه، فَإِذَا جامعَ الإنسانُ نَزلَ مِن أصلِ كُلِّ شَعرَةٍ جَنابَة، فَافتَرضَه الله عَليَّ وعَلَى أُمَّتِي تَطهِيرًا وتَكفِيرًا وشُكرًا لِمَا أنَعَم الله عَلَيهِم من اللذات التي يُصيبونَهَا» قَالُوا: صدقت يا مُحَمَّد، فأخبرنا بثواب من اغتسل من الْجَنَابَة، فَقَالَ - عليه السلام -: «إنَّ الْمؤمِنَ إذَا أَرَادَ الغسلَ مِن الْحَلالِ بَنَى الله له قَصرًا في الْجَنَّة، وهِي سَريرَة الْمؤمنِ بَينَه وبينَ رَبِّه، والْمنافقُ لاَ يَغتَسلُ من الْجَنَابَة، فمَا مِن عَبدٍ ولاَ أَمَة من أُمَّتِي قامَا للغسلِ

٦١١ / ٥٬٣٨٩