الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ٧٦وإذَا أَمَرتُكُم بِشَيءٍ فَأتُوا مِنهُ مَا استَطعتُم» مُؤكِّد لِما فهمناه من مَعنَى الآية لأَنَّ قوله: «فَأتُوا مِنهُ مَا استَطعتُم» يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ يَجب عَلَى الْمكلَّف أن يأتي من الْمَأمُورات ما استطاع، فإذا لَمْ يقدر عَلَى شيء منها سقط عنه ذَلِكَ الذي لَمْ يستطع فعله، وبقي الذي يستطيعه عَلَى حال اللزوم؛ فلا وجه لإسقاطه والعدول عنه إلى غيره.
وذهب بعض مُخالفينا منهم أبو حنيفة وداود إلى أنَّ عَلَيْهِ أن يتَيَمّم ولا يستعمل الْمَاء؛ لأَنَّ الله -جلَّ ذكره- لَمْ يتعبَّد في طهارة واحدة بالْمَاء وبالتَّيَمُّم.
واحتَجُّوا بقول الله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾، إذ الْمُرَاد بالآية: فإن لَمْ تَجدوا ماء تتطهَّرون به، ولا شكَّ أنَّ الْمَاء الْموجود لا يكفي للتطهُّر؛ فسقط الْخطاب بالتَّطَهُّر لتعذّر الْمتطهّر به، ووجب الْمصير إلى التَّيَمُّم؛ لأَنَّ الْمَاء الْمشروط غير موجود.
وَأيضًا: فمن لزمه عتق رقبة في الظهار /347/ ولَم يَجد إِلاَّ نصف رقبة سقط عنه العتق ووجب عَلَيْهِ الصوم، فكذَلِكَ من لزمه فرض الطهارة ولَم يَجد إِلاَّ مقدار ما يطهِّر البعض.
ووجه القياس: أنَّ الصيام في كَفَّارَة الظهار خلف عن العتق عند فقده، والتراب في الطهارة خلف عن الْمَاء عند فقده، فأشبه كُلّ منهما الآخر فصحَّ القياس.
والْجَوَاب عن الاستدلال الأَوَّل: أَنَّهُ - سبحانه وتعالى - لَمْ يَقل: فلم تَجدوا ماء يَكفيكم للطهر، وَإِنَّمَا قال: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء﴾ فهو عام؛ لأَنَّه نكرة