معارج الآمال على مدارج الكمال بنظم مختصر الخصال (موافق للمطبوع) عبد الله بن حميد بن سلوم السالمي أبو محمد، الشهير بـ "نور الدين"

الجزء الثالث

الجزء ٣ · صفحة ١٠٠

فالنهي لأحدنا عن البول في الْمَاء الدائم، ثُمَّ يَتَوَضَّأَ منه إِنَّمَا هو من خصوصيَّة الْمَاء الراكد لِحكمة علمها الشارع، سواء كان ذَلِكَ الْمَاء قليلا أو كثيرا؛ ولذَلِكَ أجاز أبو علي البول في النهر لكونه غير راكد، وقد تَقَدَّم ذَلِكَ في باب قضاء الْحاجة.

وليس النهي عن ذَلِكَ لِمخافة تنجيس الْمَاء فقط، كما فهمه أبو مُحَمَّد حيث قال: والنظر يوجب عِنْدِي أنَّ النهي عن التوضُّئ منه لقلَّته؛ لأَنَّ الراكد من الْمَاء قد يكون قليلا وقد يكون كثيرا، ولأجل الْحِكْمة التي أشرنا إليها.

قال أصحاب الظاهر: ولغير البائل الْممنوع أن يَتَوَضَّأَ منه، أي: نَهي البائل في الْمَاء الدائم أن يَتَوَضَّأَ منه لا يستلزم الْمنع لغير البائل أن يَتَوَضَّأَ من ذَلِكَ الْمَاء؛ لأَنَّ النهي عن ذَلِكَ لا لكونه ينجِّسه بل لِحكمة غير ذَلِكَ.

وهو صواب -إن شاء الله تَعَالَى- فيسقط اعتراض أبي مُحَمَّد عَلَيْهِم بقوله: فما ينكر أن يكون - عليه السلام - أراد الْمَاء القليل.

ولأصحاب الظاهر أن يقولوا: إنَّ حَمل الْحَدِيث عَلَى الْمَاء القليل تَخصيص بغير مُخصّص فلا يصحّ.

أَمَّا استدلال أبي مُحَمَّد بقوله - صلى الله عليه وسلم -: «حُكمِي عَلَى الواحدِ حُكمِي عَلَى الْجَمِيعِ» فلا يسقط احتِجَاج الظاهريَّة الْمذكور؛ إذ لَهم أن يقولوا: لَمْ نقصر النهي عَلَى بائل بعينه بل أجريناه في كُلّ من فعل ذَلِكَ، وذَلِكَ هو الْحُكْم عَلَى الْجَمِيع؛ فالعموم مع أهل الظاهر في هذا الْمَعنَى وإن ادَّعاه ابن بركة، وَاللهُ أَعلَم.

وَأَمَّا نَهي الْجُنُب عن الاغتسال في الْمَاء الدائم، فالظاهر أَنَّهُ إِنَّمَا نُهي عن ذَلِكَ لئلاَّ يفسده عَلَى غيره من الناس؛ لِما روي أَنَّهُ قيل /358/ لأبي

٧٤٠ / ٥٬٣٨٩