الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٠٨وقول ابن جريج: "القُلَّة تَسع قِربتين، أو قربتين وشيئا" ليس بِحُجَّة؛ لأَنَّ القُلَّة كما أَنَّهَا مَجهولة فكذا القربة فَإنَّهَا قد تكون كبيرة وقد تكون صغيرة، ولأَنَّ الروايات أيضا مُختلفة: فتارة قال: «إذا بلغ الْمَاء قُلَّتَين»، وتارة «أربعين قلَّة»، وتارة «كوزين»، فإذا تدافعت وتعارضت لَمْ يَجز تَخصيص عموم الكتاب والسنَّة الظاهرة البعيدة عن الاحتمال بِمثل هذا الخبر.
قُلتُ: وهذا الْجَوَاب لا مَخلص منه، وَاللهُ أَعلَم.
وَأَمَّا القائلون: بأنَّ الْمَاء القليل والكثير سواء في حكم التنجّس، وَأَنَّهُ لا ينجس من ذَلِكَ كُلّه إِلاَّ ما غلب عَلَيْهِ النجس، فلهم عَلَى ذَلِكَ حجج:
- منها قَوْله تَعَالَى: ﴿وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاء مَاءً طَهُورًا﴾، معَ قوله - صلى الله عليه وسلم -: «خلقَ اللهُ الْمَاء طَهورًا لا يُنجِّسُه شَيْء إِلاَّ مَا غَيَّر طَعمَه أَو لَونَه أَو رِيحه»، وإنَّ كُلَّ واحد من الآية والْحَدِيث قد حكم لِمطلق الْمَاء بالطهارة، واستثنى الْحَدِيث ما غُيِّر طعمه أو لونه أو ريحه، فيجب أن يكون هذا الاستثناء من عموم ذَلِكَ الإطلاق، فيستوي في ذَلِكَ جَمِيع الْمَاء قليله وكثيره، وَاللهُ أَعلَم.
- ومنها قَوْله تَعَالَى: ﴿فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ … ﴾ الآية، فمَن غسل وجهه بالْمَاء القليل الذي لَمْ يتغيَّر فقد أتى بِما أمر به؛ لِصدق اسم غاسل عَلَيْهِ، وَاللهُ أَعلَم.
- ومنها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾ فواجد هذا الْمَاء القليل الذي لَمْ يَتَغَيَّر وَاجد للماء، فلا يصحّ له العدول إلى التَّيَمُّم، وَاللهُ أَعلَم.
ومنها أنَّ من شأن كُلّ مُختلطين كان أحدهُما غالبا عَلَى الآخر أن