الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥١وهذا الْخِلاَف الْمَذكُور بين أَصحَابنَا موجود أيضا بين قومنا:
فأبو حنيفة يُجوِّز إزالة النَّجَاسَة بِجَمِيع المائعات التي تزيل أعيان النجاسات. والشافعي يَمنع من ذَلِكَ ويَجعل الطهورية مُختصَّة بالْمَاء عَلَى الإطلاق.
وحُجَّة من جوَّز ذَلِكَ: أنَّ الْمقصود من تطهير النَّجَاسَة إزالتها فقط، فإذا حصلت الإزالة بأيِّ وجه كان حصل الْمقصود /382/ ورجع الشيء الْمُتنَجّس إلى أصله قبل وقوع النجس فيه، وَاللهُ أَعلَم.
وحُجَّة الْمانعين من ذَلِكَ: هي أَنَّهُ لو كان الْخلّ ونَحوه من الْمائعات مزيلا للخبث لكان طهورا؛ لأَنَّه لا مَعنَى للطهور إِلاَّ الْمُطهِّر، ولو كان طهورا لوجب أن يَجوز به طهارة الْحدث؛ لقوله عَلَيْهِ الصلاة والسلام: «لاَ يَقبَلُ اللهُ صَلاَةَ أَحَدِكُم حَتَّى يَضَعَ الطّهُورَ مَوَاضِعَه»، وكلمة: "حَتَّى" لاِنتهاء الغاية؛ فوجب انتهاء عدم القبول عند استعمال الطهور، وانتهاء عدم القبول يكون بِحصول القبول؛ فلو كان الْخلّ طهورا لَحصل باستعماله قبول الصلاة، وحيث لَمْ يَحصل علمنا أنَّ الطهوريَّة في الْخبث أيضا مُختصَّة بالْمَاء، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَسأَلة الثالثة: في الوضوء بالنبيذ
وقد اخْتَلَف فِيه الناس:
فذهب جُمهور أَصحَابنَا وأكثر مُخالفينا إلى أنَّ الوضوء به لا يصحّ حَتَّى لو عدم الْمَاء، بل يَجب عَلَى من عدم الْمَاء التَّيَمُّم بالصعيد وإن وجد النبيذ.