الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٣وَأيضًا: فالنبيذ لا يَقع عَلَيْهِ اسم ماء مطلق ولا مقيَّد، ولا يقع عَلَيْهِ اسم صَعيد؛ فلا أرى للأمر بالتَّطَهُّر بالنبيذ وجهاً.
ويُجَابُ: بأنَّ الأمر بذَلِكَ عَلَى جهة الاستحباب والاحتياط كما صرَّح به أبو سعيد، لا عَلَى جهة الإلزام والإيجاب؛ فلا يلزم منه ثبوت فرضين، وَاللهُ أَعلَم.
والْحُجَّة لأَصحَابنَا وغيرهم مِمَّن منع الوضوء بالنبيذ: قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ صَعِيدًا طَيِّبًا﴾ ففرض -جلَّ ذكره- الطهارة بالْمَاء، وفرض عَلَى من لَمْ يَجد الْمَاء التَّيَمُّم بالصعيد الطيِّب.
وفي الْحَدِيث عن النَّبِيّ - صلى الله عليه وسلم -: «الصَّعِيدُ الطَّيِّبُ طَهورُ الْمُسلِم وَإِن لَمْ يَجِد الْمَاءَ عَشر سِنين فَإذا وَجَدَ الْمَاءَ فَلَيمُسَّه بِشرَتَه فَإنَّ ذَلِكَ خَير».
وَاحتَجّ الْمجوِّزون للوضوء بالنبيذ بِما روي عن ابن /383/ مسعود أَنَّهُ كان يقول: قال لِي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ليلة الْجنّ: «مَا فِي أَدوَاتِكَ أَو رِكوَتِك؟» قلت: نبيذ. قال: «ثَمَرَةٌ طَيِّبَةٌ وَمَاءٌ طَهُورٌ فَتَوَضَّأ مِنهُ».
ورُدَّ: بأنَّ الْحَدِيث ليس بثابت؛ لأَنَّ الذي رواه أبو زيد وهو مَجهول لا يُعرف، وصحَّته عند الله.
وَأيضًا: فيحتمل أنَّ ذَلِكَ كان ماء نبذت فيه تُميرات لإزالة الْملوحة أو غيرها.
وَبالْجُملَة: فهو ماء لَمْ يَتغيَّر بِمخالطة التمر له، كما يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ قوله: «ومَاءٌ طَهُور»، فإنَّ الْمَاء إذا خرج عن طبعه واسمه خرج عن اسم الْمَاء.