الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٤وَأيضًا: فإنَّ قصَّة الْجنِّ كانت بِمكَّة وسورة الْمائدة آخر ما نزل من القرآن، وفيها قَوْله تَعَالَى: ﴿فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمّمواْ﴾، فجعل هذا ناسخا لذَلِكَ أولى، وهذا عَلَى تقدير صحَّة الرواية عنه - صلى الله عليه وسلم -، وَاللهُ أَعلَم.
الْمَسأَلة الرَّابِعَة: في طهارة النبيذ إذا صار مسكرا
وقد اخْتَلَف الْعُلَمَاء في ذَلِكَ:
فذهب الأكثر منَّا ومن قومنا إلى أَنَّهُ نَجس. وَقِيلَ: طاهر.
وهذا الْخِلاَف متناول لِجَمِيع الْمسكرات من الأَنبذة إذا كان قصد به السكر في حال علمه، سواء كان من الْخمر الْمجتمع عَلَى تسميَّته خَمرا أو كان من النبيذ اللاحق في حكمه بالخمر، خِلاَفا لِما يقتضيه ظاهر كلام الزواجر، فَإنَّهُ حكى الإجِمَاع عَلَى نَجَاسَة الْخمر.
أَمَّا إذا لَمْ يَقصد بعمله السكر، وَإِنَّمَا قصد به الْمَعنَى الْجائز، فظاهر كلام أشياخنا أَنَّهُ لا يصير نَجسا وإن أسكر، بل له أن يَحتال في زوال سكره بالْمعالجة، فإذا زالت شدَّته فهو حلال طاهر عندهم.
وذَلِكَ أَنَّهُم علَّلوا فساد النبيذ بفساد النيَّة، حَتَّى قال الشيخ أبو سعيد: لَمْ نَجد فيه نَجَاسَة أفسدته من ذوات النجاسات المائعة فيه إِلاَّ ما عارضه من النيَّة الفاسدة.