الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٥وَحُجَّتهم عَلَى ذَلِكَ: قَوْله تَعَالَى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا وَرِزْقًا حَسَنًا﴾، فظاهر الآية أن تلك الثمَرَات تتحوَّل بنفس الاتِّخاذ إلى سكر وإلى رزق حسن، والاتِّخاذ لا يُميِّزه إِلاَّ القصد؛ إذ لا فرق بين اتِّخاذ السكر والرزق الْحَسَن إِلاَّ باختلاف النيَّة فسادا وصلاحا.
ومن تفريعهم عَلَى هذه القاعدة: أَنَّهُ متى ما عمل النبيذ عَلَى قصد السكر فهو عندهم فاسد نَجس أسكر أو لَمْ يسكر، إذ ليس علَّة الفساد عندهم نفس السكر، وَإِنَّمَا هي نفس القصد؛ فلو عمله صبِيّ لقصد الإسكار، قالوا: لَمْ يفسد ذَلِكَ إذ لا نيَّة للصبي، ولو عمله رجلان هما فيه شريكان: ونيَّة أحدهما أَنَّهُ خَمر ونيَّة الآخر خلّ، قال الشيخ أبو سعيد: يَخرج عِنْدِي أن نيَّة الفساد لا تضرُّ الصلاح، ولا يكون ذَلِكَ مُحرَّما عَلَى من لَمْ يردُّه، وَأَمَّا الآخر فآثِم بنيَّته ولا يبعد أن تكون حصَّته حراما أن لو انفصلت، وَأَمَّا الآن وقد امتزجت الْحصَّتان فلا تَحرم عَلَيْهِ حصَّته؛ لأَنَّه لا يستقيم أن يكون متمازجا بعضه رجس وبعضه طاهر من طريق النيَّة.
وجعل بعض الْمتأخِّرين الْخِلاَف في تَحليل الْخلّ بعد زوال شدة السكر عنه /384/ متفرِّعا عن الْخِلاَف الْجَارِي في نَجَاسَة الْخمر، وذَلِكَ أَنَّهُم اختَلَفُوا فيها إذا عُولِجت حَتَّى صارت خلا: فَقالَ بَعضُهم: إِنَّها حلال.
وقال آخرون: إِنَّها حرام. وجعل هذا البعض القول بالْحرمة متفرِّعا عَلَى القول بالنَّجَاسَة، وجعل القول بالتحليل متفرِّعا عَلَى القول بالطهارة.