الجزء الثالث
الجزء ٣ · صفحة ١٥٦وَوجهُ ذَلِكَ: أَنَّهُ إذا كانت الْخمر نَجسة العين عند من قال بنجاستها فلا تطهر بزوال السكر عنها، وكلّ نَجس حرام.
والظاهر الذي تقتضيه فتاويهم: أنَّ الْخِلاَف في تَحليل خلِّها ليس مبنيًّا عَلَى الْخِلاَف في طهارتِها؛ لأَنَّ بعض القائلين بنجاستها قد صحَّحوا القول بتحليل خلِّها؛ فانتقال حالتها عندهم يستلزم الانتقال لِحكم النَّجَاسَة والتحريم معا.
ثُمَّ اختَلَفُوا في طهارة الإناء:
- فَقالَ بَعضُهم: هو تبع لِما فيه؛ يطهر مع طهارته.
- وخرَّج بعضهم فيه قولا بِأَنَّه لا يَطهر إِلاَّ بعد التطهير.
وهذا كُلّه مبنِيّ عَلَى القول بنَجَاسَة الْخمر والنبيذ.
وَالصَّحيح الذي عوَّل عَلَيْهِ الْمُصَنِّف القول بطهارتهما وإن أسكر؛ لأَنَّ الإسكار لا يَصلح أن يكون علَّة للنَّجَاسَة.
ثُمَّ إنَّ مستند القائلين بالنَّجَاسَة إِنَّمَا هو فساد النيَّة كما علمت، وأنت خبير بأنَّ النيَّة وصف لا يصلح علَّة للتنجيس، بل النيَّة علَّة لِحصول الثواب إذا صلحت وحصول الإثْم إِذَا فسدت.
وكيف تكون النيَّة علَّة لنَجَاسَة الأشياء الْمنفصلة عن الناوي؛ وهي وصف حال في الناوي لا في الْمنوي؛ فلو كانت النيَّة موجبة للتنجيس لكان الأولى بالنَّجَاسَة صاحب النيَّة لِحلول الوصف فيه، والإجِمَاع عَلَى أنَّ الفاسق الْموحِّد ليس بنجس، وإذا لَمْ تؤثِّر النيَّة نَجَاسَة في الناوي فتأثيرها النَّجَاسَة في الْمنوي أشدّ بعداً.